الأمسية كانت أشبه بمبارزة فكرية وأدبية بين روائيتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمان 

بهدف تقريب الثقافات، استضاف معهد ثربانتس الإسباني بالعاصمة الأردنية عمان بالتعاون مع وزارة التربية والثقافة والرياضة الإسبانية مساء الاثنين، أديبتين هما الإسبانية أليثيا خيمينيث بارتليت والروائية الأردنية ليلى الأطرش، في أمسية ثقافية بعنوان "الأدب والمرأة في إسبانيا وأميركا اللاتينية والعالم العربي".

الأمسية التي امتدت لساعة ونصف كانت أشبه بمبارزة فكرية وأدبية بين روائيتين تنتميان إلى ثقافتين مختلفتين, حيث تبادلتا وجهات النظر والأسئلة والإجابات حول قضايا أدبية تتعلق بالمرأة, وسط نخبة من المهتمين والإعلاميين وأركان السفارة الإسبانية بالأردن. 

وبصفتها أول متحدثة قالت الروائية ليلى الأطرش إنها لم تكتب رواية بأيدولوجية مسبقة رغم وعيها المبكر على شروط الذكورة العربية, وتوق النساء إلى التحرر من أغلال "الجنسوية" وقهر وتمرد الأنثى حين تغتصب حقوقها, والخوف من النبذ والحرمان من العائلة وثقافة العيب حين تطالب المرأة بحقها.

وتساءلت الأطرش: ماذا تريد الروائيات العربيات في ظل المخاض العسير على مستوى الوطن العربي؟ وأين تقف الكاتبة من إشكالية الصدام المجتمعي والفكري وما أسمته " الردة السلفية"؟

وقالت إن العالم العربي يعاني من أزمات سياسية واقتصادية وتدخل أجنبي يعادي العرب والإسلام، وينادي بتحرير النساء كدليل على ديمقراطية الحكومات. 

جانب من حضور أمسية الأدب والمرأة 
(الجزيرة نت)

الخبز أو الكتاب
ورأت الروائية الأردنية أن وعي الكاتبة السياسي تمثل في كسر التابوهات الثلاثة "الدين والسياسة والجنس", وربما كانت روايتها "امرأة الفصول الخمسة" من الروايات النسائية الأولى التي فضحت المتاجرة بالوطنية, وأثر المال على القيم الثورية وسقوط رموزها في المتاجرة بالسلاح، وتناولت نظام الكفيل في دول الخليج العربية.

وأشارت في مداخلتها إلى أن الأدب لا يطعم خبزا، وقد حاولت خلال عملها في تلفزيون قطر وضع الثقافة على خارطة البرامج لتصبح في متناول المشاهد العادي.

وفي حوارها مع الكاتبة الإسبانية، قالت الأطرش "إننا في العالم العربي نعيش فقرا نتيجة الحروب والتدخل الأجنبي، ففي العراق على سبيل المثال وصلت نسبة الأمية بين النساء 66%.. الاحتلال لم يبن حضارة بل زرع الموت والدمار.. الفقر يؤدي إلى عدم القراءة.. رغيف الخبز أولى من الكتاب".

وحسب الأطرش فإن ما أسمته "الردة السلفية" جاءت نتيجة تدخل الغرب في المنطقة العربية وإجبار الحكومات على تحرر المرأة دون تحرير فكرها أو المحيطين (ربط الحرية بتحرر المرأة).

وردا على سؤال، أجابت الأطرش أنه خلال الربيع العربي انحسرت القراءة، والمواطن العربي مشغول بتأمين المستقبل وفهم ما يجري, وقالت "لا أريد الكوتا النسائية في البرلمان الأردني.. أريدهن أن ينافسن الرجال عبر صناديق الاقتراع".

صبحي فحماوي: العرب عندما احتلوا الأندلس أنشؤوا فيها حضارة مذهلة (الجزيرة نت)

المرأة والقراءة
وبدورها عرضت الكاتبة الإسبانية أليثيا بارتليت دور المرأة في إسبانيا واندماجها في المجتمع، وبينت أن النساء يشكلن 60% من القراء، وقالت "نحاول الانفتاح على الخارج لمعرفة وملاحظة ما يدور حولنا", مشيرة إلى أن التغيير في المجتمع الإسباني كبير وسريع وفي فترة وجيزة أصبح لدى المرأة الفضاءات والتمكين.

وأردفت تقول "نحن في طريقنا كنساء إسبانيات نحو التوحيد مع الجنس الآخر والتشارك بالحياة الاقتصادية والاجتماعية", وأضافت أنها حققت نجاحا كبيرا في القصة "الشرطية" في مناخ بعيد عن الرقابة الدينية أو السياسية أو نقص في الديمقراطية.

ووصفت بارتليت في مداخلتها الوجود العربي في إسبانيا بأنه "استعمار عربي" لنحو 600 عام، متجاهلة ما تركه العرب هناك من إنجازات علمية وعمرانية وفنية وأسماء مدن ما زالت تحتفظ بأسمائها العربية, لكنها استدركت بالقول "لدينا تقاليد مشابهة للعادات العربية". 

ولفتت إلى عدم وجود الكثير من التراجم، وطالبت بفتح مجال الترجمة وإزالة العقبات بهدف إيجاد نمط سلس للكتابة والتفاهم، ووصفت الأدب بأنه حرفة فريدة وصعبة.

الظروف السياسية
وقالت بارتليت إنها تتفهم الظروف السياسية في البلدان العربية التي تؤثر على المرأة ووصفتها بالصعبة والقاسية، ونقلت عن الفيلسوف الفرنسي فولتير قوله "على كل شخص أن يعتني بحديقته"، في معرض إشارتها إلى الربيع العربي.

وعقب الندوة قال الروائي صبحي فحماوي إن العرب عندما احتلوا الأندلس أنشؤوا فيها حضارة مذهلة عمرانية وعلمية وفنية وشعرية وفلسفة ابن رشد, لكن الغرب لم يقدم للعرب سوى الاحتلالات وزرع إسرائيل بدلا من فلسطين.

وقال فحماوي للجزيرة نت "قدمنا الحضارة والنهضة التي انتقلت إلى أوروبا، وهم يقدمون الدمار وتغذية الفتنة وحرماننا حتى من تصنيع إبرة"، متسائلا "لماذا دمروا مصنعين للحليب والأسلحة في السودان؟".

وردا على سؤال للجزيرة نت، قال المفكر الأردني الدكتور هشام غصيب "لا أريد من الحوار أن يكون لاغيا لنفسي، وإنما يعزز ذاتي بالعلاقة مع الآخرين, وأرحب بالحوار المتكافئ مع الآخر بغض النظر عن ثقافته ودينه ومعتقده، شريطة احترام خصوصيتي واستقلالي".

وقال "إن الغرب انطلق بمسيرة حضارية جديدة، علينا استيعابها وامتلاكها نقديا لكي نعود إلى العصر والتاريخ من أجل تحديث وعينا وقدراتنا وليس من أجل تفكيك ذاتنا", معتبرا أن المسألة ليست ماذا يعطينا الغرب؟ وإنما ماذا نستطيع أخذه لنبني نهضتنا الجديدة؟

ويذكر أن الإسبانية بارتليت ذات شهرة عالمية وترجمت أعمالها إلى 15 لغة، وحصلت العام الماضي على جائزة "نادال" عن روايتها "أين لا أحد يجدك".

المصدر : الجزيرة