أمجد ناصر
 
هناك شبه اتفاق بين المثقفين العرب على أن ما نسميه مشروع "النهضة العربية" بدأت ترتسم ملامحه الفضفاضة مع حكم محمد علي باشا لمصر. هذا الموعد التاريخي مهم لسببين: الأول لأنه يتعلق بفكرة بناء دولة قائمة على أسس وطنية تلحظ امتدادها ومصالحها على المستوى الإقليمي.الثاني: الانفتاح على الآخر والعلاقة به.

ويبدو أن هذين السببين كانا (وربما لا يزالان) على قدر كبير من التلازم. فلا يمكن أن تكون هناك نهضة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية من دون قاعدة تحتضنها (الدولة) كما لم يكن ممكنا، في تلك الفترة، النهوض بالاستناد إلى ما تتوافر عليه "الذات" التي تعرَّضت لإعاقة حضارية طويلة (الحكم العثماني).

ففيما كان الآخر (أوروبا) قد قطع شوطا في نهضته وتحديث بناه على غير صعيد كانت المنطقة العربية تعاني استنقاعا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا مديدا، ظهرت مفارقاته المذهلة مع حملة نابليون بونابرت على مصر التي شكّلت صدمة ضرورية ربما، لوعينا بذاتنا ووعينا بـ "الآخر".

هكذا شهدت فترة محمد علي باشا التفكير بالذات كقاعدة لانطلاق التحديث والانفتاح على الآخر المتقدم على صعيد المنجز الحضاري المادي والمعنوي على السواء. وليس من المصادفة في شيء أن محمد علي قد أرسل بعثات إلى أوروبا في محاولته لبناء دولة حديثة تحت العباءة المهلهلة للعثمانيين.

هناك من يرى أن تجربة عبد الناصر، تحديدا، مثَّلت محاولة لاستئناف تجربة محمد علي النهضوية ولكن بتحديد أكثر وضوحا لعناصر الهوية: القومية العربية

فلم يكن خافيا على أحد، بمن في ذلك العثمانيون أنفسهم، أين تتوضع الحداثة، الطالعة من عصر الأنوار، وأين تُلتَمس، بل لم تكن النخبة العثمانية (التركية تحديدا) أقل تطلُّعا صوب الغرب وحداثته مما كان عليه محمد علي وبعض نخبته.

كان الزمن قد دار دورة خلدونية الطابع، فراحت تأفل شمس الخلافة العثمانية وتطلع شمس الحضارة الغربية التي استعادت تراث أثينا وروما، وأفادت من الأنوار الأندلسية لتأسيس عصر أنوارها، ومن ثم حقب الإمبراطورية التي لم تنته فصولا حتى الآن.

كان واضحا لمحمد علي، على ما يبدو، أن الاطلاع على التجربة الأوروبية والإفادة منها ضروريان لقيام دولته على أسس مغايرة لما كانت عليه السلطنة العثمانية. ليس صدفة أيضا، أن اليابان التي كانت تشهد انغلاقا طويلا على ذاتها بدأت القيام بخطى شبيهة بخطى محمد علي باشا وفي الفترة نفسها، مازجة بين ما يسمى "الأصالة" و"المعاصرة".

التجربة اليابانية توصّلت، في ظل انعدام للتحدي الخارجي، تقريبا، إلى بناء قاعدة ذاتية قوية مستفيدة من المنجز الحداثي الغربي، فيما أدت تجربة محمد علي باشا إلى تسارع التدخلات الغربية في المنطقة العربية وإلى احتلال مصر ذاتها قبل أن تصل التجربة الاستقلالية المصرية إلى تحقيق منجز مملوس.

هناك من يرى في الأنظمة العسكرية التي توالت على حكم البلدان العربية المشرقية الأساسية بعد هزيمة عام 1948 قطعاً لمسار نهضوي ظل يتواصل على مستوى البنى السياسية والفكرية، وهناك من يرى أن تجربة عبد الناصر تحديدا  مثَّلت محاولة لاستئناف تجربة محمد علي النهضوية ولكن بتحديد أكثر وضوحا لعناصر الهوية: القومية العربية.

المهم في الأمر أن مشروع النهضة العربية، الذي استُلهِمت أفكاره من مسار النهضة الأوروبية، وصولاً إلى عصر الأنوار، لم يتحقق على أرض الواقع، أو لم يتجذر فكرا وممارسة. هناك أسباب خارجية منعت هذا التجذر (الاستعمار، قيام دولة إسرائيل، الحروب معها) وهناك بالتأكيد أسباب ذاتية أبرزها أن من نهض بهذا المشروع كان عسكر الانقلابات، وهؤلاء رفعوا شعارات مارسوا في الواقع عكسها.

استدعيت ثقافة التنوير من الرفوف لغرض معين وتمت إعادتها إلى الرفوف ما إن تحقق ذلك الغرض

فالحرية والاشتراكية والتقدم والوحدة حصل تقريبا عكسها على أرض الواقع. لكن هذا لا يختصر كل الأسباب التي أدت إلى عدم تجذر مشروع النهضة (وثقافة التنوير بالعموم) عربيا، فقد لاحظ بعض المراجعات العربية لفكرة النهضة، أن عدم تصدّيها بالعمق اللازم للمسألة الدينية من الأسباب الجوهرية التي قد تقف وراء فشل هذا المشروع.

فإذا كان بالإمكان الاعتماد على مسار النهضة الأوروبية كمثال (وهو في كل حال مثال كوزموبوليتي) فسوف نلاحظ أن التصدي للمسألة الدينية (فصل الكنيسة عن الدولة) كان عنصرا حاسما في الخروج الأوروبي من ظلمة العصور الوسطى إلى عصر الأنوار.

قد يبدو الحديث الآن عن ثقافة التنوير، بعد الربيع العربي متأخرا بعض الشيء.. أو ربما في غير أوانه، خصوصا إذا عرفنا أن آخر محاولة لإشاعة هذه الثقافة واستعادة أسئلة النهضة العربية الأولى، وظّفت في خدمة واحد من أكثر أنظمة الاستبداد العربي ركاكة وانعدام مشروع: نظام مبارك.

ينسب للناقد المصري المعروف د. جابر عصفور بعث مشروع التنوير في الحياة الثقافية المصرية في فترة شهدت أعنف مواجهة بين النظام المصري والجماعات الإسلامية المسلحة. كان النظام المصري رغم شوكته الأمنية الجارحة في حاجة إلى غطاء لحملته الأمنية على تلك الجماعات، فالأمن وحده لم يكن كافيا في مواجهة خطاب سياسي يكفّر النظام والمجتمع على السواء، أو على الأقل شرائح من المجتمع مثل الطبقة الوسطى "المتغربة" التي لا يستثنيها خطاب التكفير الذي تبنَّته جماعات إسلامية بعينها.

كان الغطاء المطلوب هو الثقافة، وتحديدا تلك التي تستعيد تراث التنوير العربي والإسلامي الذي عرفته مصر وبعض المجتمعات العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد انخرط في هذا المسعى عدد من المثقفين المصريين في مقدمتهم جابر عصفور الذي أعطى لمنصبه الحكومي، في "المجلس الأعلى للثقافة"، ونشاطه عبره، مسحة تنويرية يسارية لم تعد مألوفة منذ الانقلاب الساداتي على الناصرية.

وراحت آلة الدولة الثقافية تطبع وتعيد طبع مئات العناوين التي وضعها مثقفون ومفكرون تنويريون في مراحل مختلفة من التاريخ المصري والعربي أمثال رفاعة الطهطاوي وجمال الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي وسلامة موسى وعلي عبد الرازق وطه حسين (وغيرهم)، على ما بين هؤلاء من اختلاف وتباين فكري. لكن الفكرة من وراء ذلك المشروع الذي خلط بين الرؤى الإسلامية الإصلاحية والفكر الليبرالي، بل وحتى اليساري، هي مواجهة فكر التكفير القائم على فهم ضيق للدين والنظر إلى الآخر كعدو مقيم.

قد يبدو الحديث الآن عن ثقافة التنوير، بعد "الربيع العربي"، متأخرا بعض الشيء.. أو ربما في غير أوانه

يحلو لي الزعم أن تراجع القوى التكفيرية في الشارع المصري لم يكن بسبب الضربات الأمنية العنيفة التي وجّهت لها فقط، بل وبفعل "ماكينة التنوير" التي اشتغلت بطاقتها القصوى في تلك الفترة.

لكن ثقافة التنوير لم تتواصل. استدعيت من الرفوف لغرض معين وتمت إعادتها إلى الرفوف ما إن تحقق ذلك الغرض. وها هو جابر عصفور نفسه يعترف بذلك قائلا "حاولت دولة مبارك أن تجعل من التنوير واجهة تختفي وراءها حينا، أو تجمّل بها قبحها في أغلب الأحيان، لذلك استعانت بدعاة الاستنارة لكنها ظلت على عداء مع مبادىء العدالة والحرية الكاملة، فكانت ظاهرا تدعي دعم فكر الاستنارة لكن بوصفه مجرد ديكور زخرفي في مواجهة الإسلام السياسي، وهو وضع جعل الفكر التنويري واقعا بين مطرقة جماعات التأسلم السياسي من ناحية، ومطرقة الدولة التسلطية من ناحية مقابلة".

أظن أن جابر عصفور كان قد توصل إلى هذه القناعة أثناء قيامه على استعادة "ثقافة التنوير"، ولا بدّ أنه أدرك أن دولة بهذه المواصفات يستحيل أن تنهض بمشروع نهضوي، لكنه للأسف لم يتخذ موقفا من هذا الاستغلال المؤقت، بل البائس، لثقافة ذات بعد إستراتيجي، وها هو يدرك استحالة توافق التنوير، ناهيك عن النهضة مع نظام قائم على الشوكة الأمنية والفساد والعائلة ومن يلف لفها.

لكن التساؤل، بل البحث عن نقطة نستأنف منها هذا المشروع النهضوي الذي تعرّض لانقطاعات كبيرة، يظل مشروعا إن لم يكن واجبا ملحّا خصوصا بعدما بدا أن الصراع في دول "الربيع العربي" هو بين "المعتدلين" و"المتطرفين" في حراك الإسلام السياسي، صراع على الهوية وصورة الذات وعلاقتها بالآخر. هنا تصبح العودة إلى فكر التنوير وثقافته أكثر من لازمة، ولكن كمشروع إستراتيجي هذه المرة.

المصدر : الجزيرة