جمعية ذاكرة الأندلسيين بدأت نشاطها بتنظيم ندوة دولية حول المورسكيين (الجزيرة نت)

عمر العمري-الرباط

بدأ المورسكيون المغاربة يطرحون بقوة مأساة تهجيرهم من الأندلس مطلع القرن السابع عشر الميلادي، مستغلين في ذلك أجواء الانفتاح بعد الربيع العربي الذي فتح لهم الباب من أجل التعبير عن هويتهم الحضارية بشكل أكثر تنظيما.

فالدستور الجديد الذي صادق عليه المغاربة في استفتاء شعبي بداية يوليو/تموز 2011 يعترف لأول مرة بالحضارة الأندلسية كأحد روافد الهوية المغربية على غرار باقي الهويات الأخرى العربية والأمازيغية والحسانية (سكان الصحراء).

وشجع ذلك بعض العائلات المنحدرة من أصول إسبانية والتي تحمل ألقابا مثل "لبريس والسوردو وبركاش وفنجيرو وملين وكديرة" إلى أن يتقدموا خطوة إلى الأمام من أجل إزالة الغبار عن "ملف الأندلس" عبر تأسيسهم جمعية جديدة تسمى "جمعية ذاكرة الأندلسيين".

وثائق جديدة
وفي أول عمل لها، نظمت الجمعية ندوة دولية نهاية الأسبوع الماضي تم خلالها تقديم وثائق جديدة تجسد مأساة الأجداد الذين تعرضوا لأبشع عملية تطهير عرقي عرفتها أوروبا ما بين سنة 1609 و1614، وهي الوثائق التي بدأت تجد طريقها إلى العلن بعدما طمرت قرونا بدهاليز الكنائس والأبنية الرسمية.

مفريج: المورسكيون حملوا معهم تراثا ساهم في ازدهار مدن مغربية كثيرة (الجزيرة نت)

من هذه الوثائق ما حصلت عليه الباحثة الإسبانية بوريفبكاثيون رويت غارثيا من الأرشيف الإسباني، والتي تتحدث عن إجراءات تنفيذ قرار الطرد الذي أصدره الملك فيليب الثالث والقاضي بتجميع المورسكيين بمرفأ "ملقا" وإمهالهم ثلاثين يوما لمغادرة التراب الإسباني.

وتقول إحدى الوثائق إن الرهبان الذين سموا أنفسهم "كلاب الرب" في إشارة إلى تفتيشهم لعقائد الناس، كانوا يمنعون الأطفال دون السابعة من مصاحبة آبائهم، وإن 46 حارسا بمدينة بلنسية قاموا بفصل حوالي 820 طفلا و1400 طفلة بالقوة عن أمهاتهم بمن فيهم الرضع.

وقدم باحث إسباني آخر يدعى فيرمين مايورغا وثيقة تتحدث عن إحراق ثلاثمائة مورسكي أحياء في يوم واحد، وذكر أن الأطفال كانوا يربون في بيوت المسيحيين ليصبحوا فيما بعد عبيدا لهم، حتى اضطر المسلمون أن يخفوا إيمانهم ليحافظوا على أرواحهم، وأن يبنوا مقابر سرية للحفاظ على رفاتهم بعد الممات.

حضارة عريقة
ويصر المورسكيون المغاربة على أن تحركاتهم ليس الهدف منها البكاء على الأطلال وتقليب مواجع الماضي، وإنما رد الاعتبار للأندلسيين والإقرار بجرم التهجير الذي تعرضوا له، وإبراز القيم الإنسانية التي يزخر بها التراث المورسكي كثرات عالمي مشتت بين دول عديدة بأفريقيا وأوروبا وأميركا الجنوبية وآسيا.

هذا التراث الغني -يقول أحمد مفريج سليل أسرة إسبانية عريقة بحديث للجزيرة نت- إن المورسكيين الأوائل حملوه معهم إلى المغرب ونتج عنه ازدهار كبير لمدن مثل شفشاون والرباط وسلا، فكان منهم الفقهاء والأطباء والمهندسون والفنانون والفلكيون، وتقلد بعضهم مناصب عليا لدى سلاطين المغرب.

وأوضح مفريج أن المورسكيين اندمجوا مع السكان المحليين إلى درجة أن منهم من أصبح أمازيغيا، مشيرا إلى وجود مداشر في الجنوب تسمى "أيت أوغرابو" وهي عبارة أمازيغية تعني "أهل السفينة" وهو وصف أطلق على من وصلوا هناك من المورسكيين على متن السفن، كما أن هناك أناسا بمناطق أخرى يدعون بـ"السفينيين" للسبب نفسه.

الريسوني يريد إنشاء معهد للثقافة الأندلسية ورابطة عالمية للأندلسيين
(الجزيرة نت)

مطالب عاجلة
ولا يقتصر الأمر عند مورسكيي المغرب في النبش بأرشيفات الماضي، وإنما لهم أيضا مطالب يدافعون عنها، مثل ما يطالب به الباحث بالتراث الأندلسي علي الريسوني، في تصريح للجزيرة نت، من تأسيس معهد للثقافة الأندلسية وإنشاء رابطة عالمية للأندلسيين.

ويدعو الريسوني، الذي يقول إنه يمتلك عشرة آلاف وثيقة تسلط الضوء على تاريخ المورسكيين بمدينة شفشاون (شمال المغرب) الأندلسيين -كما يحب أن يسميهم- إلى تكسير الحاجز النفسي من أجل الدفاع عن انتسابهم إلى الأندلس كما يفعل الأمازيغيون والأشراف الذين ينتمون إلى آل البيت.

وقال إن المورسكيين يشعرون بالإحباط لأن الحكومة الإسبانية اعترفت لليهود الأندلسيين بحقهم في الجنسية المزدوجة سنة 1992، بينما تتجاهل الأندلسيين المسلمين ولا تعترف لهم بأصولهم التاريخية.

ويطالب المتحمسون منهم الحكومة الإسبانية بأن تعترف رسميا بمأساتهم وأن تقوم تبعا لذلك بتعويضهم معنويا وماديا، وربما ينادي آخرون في مرحلة لاحقة بتأسيس قناة أو إذاعة خاصة بمورسكيي المغرب، لكن مع كل ذلك يرفضون تسييس القضية ولا يبدون رغبة للعودة إلى الأندلس.

المصدر : الجزيرة