سقوط غرناطة في "ظلال شجرة الرمان"
آخر تحديث: 2012/11/11 الساعة 12:48 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/27 هـ
اغلاق
خبر عاجل :الأوقاف الإسلامية في القدس: أكثر من 10 آلاف مصل تمكنوا من الوصول إلى المسجد الأقصى
آخر تحديث: 2012/11/11 الساعة 12:48 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/27 هـ

سقوط غرناطة في "ظلال شجرة الرمان"

 
في روايته "ظلال شجرة الرمان" يتوقف المفكر البريطاني طارق علي أمام مشهد تاريخي عاصف ترك بصماته على مستقبل العالم في سنوات أعقبت سقوط غرناطة، ولكن المؤلف لا يلجأ إلى مقولات جاهزة، بل ينسج خيوطا معقدة ومتداخلة لشبكة من العلاقات الاجتماعية والفلسفات والأديان في دراما أشبه بالتراجيديات الكلاسيكية.

وسقوط غرناطة عام 1492م، لم يكن تسليما طوعيا لمدينة وإنما إنهاء لمرحلة وفتح أبواب الحجيم على المنتمين إليها من المسلمين واليهود معا والاستيلاء على أملاكهم "وتقسيمها بين الكنيسة الكاثوليكية والعرش" وتحريم ممارسة الشعائر الإسلامية أو التحدث بالعربية وتحويل غرناطة إلى "محرقة خطرة".

وفي الاستعراض الدرامي لهذا الموقف لا يميل طارق علي إلى تصوير الأندلس كفردوس مفقود وإنما يرصد على لسان أبطاله ومن خلال سلوكهم ما يمكن اعتباره حتمية تاريخية جعلت النهاية غير مفاجئة، حيث خير المسلمون بين التحول إلى الكاثوليكية أو القتل، فاختار البعض أن يتحول، في حين لجأ آخرون للثورة المسلحة التي لا يكتب لهم فيها النصر.

وقبل الثورة والمواجهة المسلحة التي تنتهي بها الرواية أو بالتزامن معها حدد المنتصر هدفه وهو محو ذاكرة المهزوم. ففي المشهد الافتتاحي للرواية في نهاية عام 1499م يحرق نحو مليوني مخطوط "السجل العامر لثمانية قرون" وجمعت من مكتبات 12 قصرا و195 مكتبة عامة في غرناطة بأمر من "راهب الشيطان" الأسقف خمينيث دي سيسنيروس الناطق بلسان الكنيسة والتاج معا، ولكن بضع مئات من الكتب نجت من المحرقة بحيلة من جنود كانوا يلقون المخطوطات الأثقل وزنا على عتبات أبواب مغلقة، فيتسلل رجل ملثم ويلتقطها ثم عبرت تلك المخطوطات إلى مدينة فاس بالمغرب.

وطارق علي -الذي ولد في باكستان عام ،1943 وتسجل مقدمة الرواية أنه كان رئيس اتحاد طلاب جامعة البنجاب- درس الفلسفة والاقتصاد في لندن، وأصبح عام 1965 رئيس اتحاد طلاب جامعة أوكسفورد وتولى رئاسة تحرير عدة صحف ومجلات منها "اليسار الجديد".

وهو يعد من أبرز مناهضي العولمة ومعارضي النموذج الأميركي ومن مؤلفاته "باكستان حكم عسكري أم سلطة شعبية؟" (1970) و"الثورة من أعلى: الاتحاد السوفياتي إلى أين؟" (1988) و"صدام الأصوليات: الحملات الصليبية والجهاد والحداثة" (2002) إضافة إلى روايات أبرزها "خماسية الإسلام" التي يتناول فيها جوانب من تاريخ الحضارة الإسلامية.

وتقع الرواية في 320 صفحة متوسطة القطع وترجمها الكاتب المصري محمد عبد النبي وراجعها المترجم المصري طلعت الشايب ونشرت في القاهرة عن "الكتب خان للنشر والتوزيع" التي ستصدر تباعا الأجزاء الأربعة الأخرى وهي "كتاب صلاح الدين" و"امرأة الحجر" و"سلطان في باليرمو" و"ليلة الفراشة الذهبية".

تتتبع الرواية تداعيات سقوط غرناطة من خلال أسرة تحاول كغيرها البقاء على قيد الحياة والهروب من التصفية بعد انهيار عالمهم ونشوء عالم آخر معاد لا يعرف التسامح 

نهاية أسرة وأمة
وتدور أحداث "ظلال شجرة الرمان" في قرية "هذيل" القريبة من غرناطة، والتي أسستها عشيرة الهذيل في القرن العاشر الميلادي وكان المؤسس ابن فريد يجمع بين شجاعة الأسد ومكر الثعلب، ولم يبق منه بعد خمسة قرون إلا سيف ورثه حفيده عمر بن عبد الله رب الأسرة التي ستشهد نهاية غرناطة.

وتضم الأسرة مربيته ومرضعته العجوز الصارمة وزوجته زبيدة وولديه زهير ويزيد وابنتيه كلثوم وهند إضافة إلى أخته زهرة والعم ابن هشام والعم ميغيل الذي تحول ظاهريا وأصبح أسقفا.

وتتتبع الرواية تداعيات سقوط غرناطة من خلال سردية طويلة لتلك الأسرة التي تحاول كغيرها البقاء على قيد الحياة والهروب من التصفية بعد انهيار عالمهم ونشوء عالم آخر معاد لا يعرف التسامح. وكانت شجرة الرمان بظلالها الوارفة التي شهدت اجتماعات الأسرة  ولقاءات العشاق والمحبين فيها هي نفسها التي شهدت على نهايتها.

ولا يميل الروائي الباكستاني الأصل إلى تصنيف الناس إلى أشرار وأخيار، ففي الرواية يتصدى لعنصرية الأسقف خمينيث دي سيسنيروس رجل عاقل هو الكونت دون أنيجيو لوبيز دي مندوثا القائد العام لغرناطة وعمدتها. وتبدو أفكاره قريبة من آراء خلفه أورتادو دي مندوثا (1506م-1575م) الشاعر والمحارب والدبلوماسي الذي سجل شهادته على مواجهات بين الإسبان والأقلية المسلمة التي كانت تحارب بأسلحة بدائية وتنتظر عونا من الأتراك والمغرب والجزائر في كتاب (حرب غرناطة) بين عامي 1568م و1570م

ويوبخ دي مندوثا دي سيسنيروس قائلا إن المسلمين لم يحرقوا معابد اليهود أو الكنائس ليقيموا مكانها مساجدهم، وإن سفك الدماء سيؤدي إلى مقاومة المسلمين "وسوف يسفك المزيد من الدم دمهم
ودمنا، محكمة التفتيش تجمع ثروة فاحشة من أجل الكنيسة. كان إحراق كتبهم عارا كبيرا، لطخة لوثت شرفنا"، مشددا على أن المخطوطات العلمية العربية لا نظير لها.

وتوجه الرواية أصابع الاتهام إلى المسلمين أنفسهم عن ما انتهت إليه أحوالهم إذ يقول "وجيد الزنديق" في الرواية "ندير أعناقنا على الدوام نحو الماضي بدلا من التطلع للمستقبل، فشلنا في ترسيخ قواعد سياسية قادرة على حماية جميع مواطنينا ضد نزوات الحكام، لم نستطع أن نتلمس الطريق نحو الاستقرار وحكم ينهض على العقل".

المصدر : رويترز
كلمات مفتاحية:

التعليقات