أمير تاج السر
 
أعتقد جازما وبعد سنوات طويلة من القراءة والكتابة بأن أسماء الشخصيات في أي عمل قصصي أو روائي، يجب أن تكون مطابقة للشخصية، بمعنى أن الاسم يجب أن يشبه الشخصية في مكوناتها وصفاتها وبالتالي يكسبها قوة.

وربما يساعد ذلك في نقش تلك الشخصية بعمق في ذهن القارئ الذي يطالع النص بعد ذلك، فلا تضيع منه أثناء التوغل في القراءة وظهور شخصيات أخرى متعددة، ولا يحتاج إلى الرجوع بين حين وآخر إلى الصفحات الأولى، ليتذكر عمن يتكلم السارد.

أيضا يجب أن يكون الاسم في نظري له إيقاعه الخاص وملائما لبيئة الحكي وزمنه. فلا يمكن أن تكتب مثلا اسما لفتاة اسمها تسابيح أو هالة، ورجلا اسمه عادل أو معتز في رواية تدور أحداثها في القرن التاسع عشر. وبالمقابل، لا يمكنك استخدام أسماء ذلك الزمان في نص تدور أحداثه في الوقت الحاضر. هذا إضافة إلى البلد الذي تدور فيه الحكاية، والذي يملك أسماءه القديمة والحديثة معا، وبالتالي من المفترض أن لا نعثر على اسم مثل كاظم أو جواد، وهما اسمان عراقيان مألوفان، يحملهما بطل من السودان.

وقد اعتدت حين أقرأ كتابا أن أسعي لتلك المقارنات، أقارن الأسماء بالشخصيات المرسومة ومكانها، وأكوّن وجهة نظري الخاصة، وكنت أحيانا أستغرب حين أجد اسما يعتبر جديدا تماما مستخدما في رواية كتبت منذ زمن بعيد أو كتبت منذ زمن قريب، لكن بأحداث تدور في الماضي البعيد.

في الغالب يبذل الكتاب جهدا لجعل الأسماء مطابقة، وذات إيقاع، وتكتب حسب الطبقة الاجتماعية للشخصية المحكي عنها

وهذا ما حدث معي حين وجدت اسم بطلة رواية "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم التي كتبت في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي، اسمها ريم، بينما هذا الاسم يعتبر جديدا، ولا أدري كيف تسرب إلى رواية كتبت في ذلك الزمان.

لكن في الغالب يبذل الكتاب جهدا لجعل الأسماء مطابقة، وذات إيقاع، وتكتب حسب الطبقة الاجتماعية للشخصية المحكي عنها، ولن يستغرب أحد اسم الزين في رواية "عرس الزين" للطيب صالح، لأنه كان مطابقا، أو وليد مسعود في رواية جبرا إبراهيم جبرا الشهيرة، لأنه بالفعل يشبه البطل في كل شيء.

أذكر في ورشة للكتابة، حضرتها كمشرف، وشارك فيها عدد من الكتاب الشباب، أن اعترضت على اسم بطل القصة، لأحد الكتاب المشاركين. كان الاسم في نظري رقيقا ولينا ولا يشبه اسم البطل العصبي الشرس، بحيث إنني لم أستطع أبدا أن أتصور صاحب ذلك الاسم بهذه الصفات، أو مثل هذه الصفات، تلبس مثل هذا البطل، وكان أن اقتنع الكاتب بوجهة نظري، وغيّر الاسم، واستقامت الشخصية في نظري بعد ذلك.

بالنسبة لي أحاول دائما بذل جهد في كتابة اسم مطابق، سوى لسلوك الشخصيات أو صفاتها أو توافقها مع زمن الحكي، ليست مسألة اختيار أسماء غريبة -كما يقول بعض القراء والنقاد- ولكن هاجس الإبقاء على النص واقفا مسنودا على كل الركائز، وبالتالي أركز في البحث عن الأسماء المساندة. أحيانا ألجأ إلى ذاكرتي وأستعين بأسماء عرفتها من قبل في حياتي، مثل أسماء الأهل أو الجيران، أو الذين عبروا بي في حياتي العملية، وأحيانا ألجأ إلى الكتب التي ترصد أسماء للآباء لاختيار منها ما يناسب مواليدهم، مع شرح واف للاسم ومعناه، وصفاته، وأيضا ألجأ للإنترنت.

وفي معظم الأحوال يكون التقاطي للاسم مصادفة من الراديو أو التلفزيون، أو شخص صادفته، أثناء كتابة رواية، أرقني فيها اسم ضائع. وحين كنت أكتب رواية لي اسمها "أرض السودان- الحلو والمر"، كنت أبحث بشدة عن اسم نسائي إسباني لإحدى الشخصيات العابرة في النص.

هذه ليست معضلة ويمكن الحصول على أي شيء من الإنترنت بسهولة، لكني على الرغم من ذلك لم أستسغ الأسماء التي جاءتني من البحث، ثم لتحل المشكلة تلقائيا حين راسلتني إسبانية اسمها هيلينا دا سيلفا على فيسبوك، طالبة ضمها إلى قائمة الأصدقاء. وكان اسمها إيقاعيا وسلسا ويشبه الشخصية المرسومة تماما، والأهم من ذلك، أنه جاء في الوقت المناسب. ومن ثم استخدمته في الرواية بعد أن استأذنتها، وفرحت بشدة، ولا أعرف لماذا يفرح الناس حين تستخدم أسماؤهم في الكتابة، حتى لو كانت الشخصية التي تحمل الاسم ليست سوية.

في معظم الأحوال يكون التقاطي للاسم مصادفة من الراديو أو التلفزيون، أو شخص صادفته، أثناء كتابة رواية

ما انطبق على هيلينا دا سيلفا، انطبق أيضا على فلابيل عسكر، هندي يعمل معنا في وظيفة بسيطة، وأردت اسمه لشخصية رجل معمر، يعيش في أرض السودان منذ مائة وخمسين عاما. شرحت الأمر للرجل الذي لم يكن أصلا يعرف موضوع كتابتي، ولا تخيلني أزاول نشاطا آخر غير عملي الذي يعرفه.

فوجئت بعسكر يسألني أسئلة  كثيرة، ويؤكد لي أنه لا يدخن ولا يتعاطى المنكرات ولم يغازل امرأة في حياته، وتزوج بطقوس الهنود التقليدية. ويريد ذلك الهندي المعمر الذي أكتبه أن يكون مثله، ثم طلب مني أخيرا أن أهديه نسخة من الكتاب حين يصدر وأضع له خطا في كل سطر يحمل اسمه، ولو ترجم ذلك الكتاب للغة الهندية سيكون سعيدا بقراءته.

وأذكر أيضا أنني حين كنت أكتب روايتي "مهر الصياح"، استوقفني اسم أحد المجندين في كتيبة الظهوريين التي تختص بحماية السلطان رغد الرشيد، إحدى الشخصيات المهمة في النص، كنت أبحث عن اسم قوي يحمله رجل قوي، واستغرق الأمر أياما من دون أن أعثر على اسم مناسب، ثم جاء رجل آسيوي ليعالج ابنه البالغ من العمر ثماني سنوات في ذلك الحين.

إن اسمه عجيب تمبولي، وكان اسما مطابقا لشخصية الظهوري بشكل لا يصدق، ولو كان ذلك المجند حقيقيا لما كان اسمه غير عجيب تمبولي. استلفت الاسم على الفور، وأخبرت الرجل الذي هنأ ابنه بقبلة كبيرة.  وقد كبر عجيب الهندي الآن ويدرس في الجامعة، هو لا يشبه اسمه بأي حال من الأحوال، لكن الاسم يشبه رجلا آخر، هو الظهوري الذي يحمي السلطان داخل النص.

أخيرا أعتقد أن الكتابة في مجملها تحتاج إلى تركيز كبير، وقد أصبح القراء من التمكن بحيث ينتبهون بالفعل لكل صغيرة وكبيرة في نص يقرؤونه، ويمكن بسهولة أن يعترضوا على اسم لا يجدونه مطابقا للشخصية.
________________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة