مشهد من فيلم "أندرومان.. من دم وفحم" الحائز على جوائز مختلفة (الجزيرة نت)

نزار الفراوي-الرباط

يفتح فيلم "أندرومان.. من دم وفحم" للمخرج المغربي عز العرب العلوي مسارا جديدا في فيلموغرافيا السينما المغربية من حيث تسليط الضوء على الهامش، موضوعا، واقتراح جماليات تعبيرية متميزة في المعالجة الفنية لتيمة وضع المرأة المقهورة في مجتمع ذكوري متسلط.

هو الفيلم المطول الأول في مسيرة عز العرب العلوي، الذي كان قد بصم حضوره في مدار الفيلم القصير والوثائقي، مبشرا بموهبة سينمائية واعدة، انطلاقا من فيلمه القصير ذي المرجعية الأمازيغية "إيزوران" الذي حصل على جوائز دولية عديدة.

ومع ذلك يبدو أن المخرج الشاب قدم منتوجا جاهزا ورؤية سينمائية ناضجة، جعلت تجربته الأولى تكتسح محافل سينمائية ذات صيت محلي وعربي.

أندرومان: إسم شجرة أمازيغية في غابات الأطلس النائية، وهو الاسم الذي ستحمله الفتاة الضحية في قرية ذكورية يتداخل فيها الأسطوري بالواقعي، الزمني باللازمني. الفيلم نشيد حرية وصرخة ألم للمرأة المضطهدة في فضاء اجتماعي يسود فيه العرف السلطوي الذكوري حتى على حساب حكم الشريعة العادل.

في قرية أمازيغية خارج حركة العصرنة والتمدن، يتوارث الأهالي حق استغلال أراض مشتركة من لدن الذكور. الأب العنيف "أوشن" يرزق بطفلة، فيرفض القبول بالأمر الواقع، يجبر المولودة على العيش في ثوب ذكر كي تضمن "أندرومان" حق العائلة في الأرض، وكي تؤمن ديمومة الحرفة العائلية القاسية لبيع خشب الغابة عبر الأجيال.

الممثلة جليلة التلمسي أدت بامتياز دور الفتاة الضحية في الفيلم (الجزيرة نت)

نكران الأنوثة
قصة نكران لأنوثة حقيقية، ضامرة ومقموعة، لكن عنيدة وخامدة في أعماق الفتاة المبنية للمذكر. يرصد الفيلم قصة هذه الحياة المزدوجة بين حميمية أنثوية داخلية حزينة ومظهر ذكوري اجتماعي جبري.

دور أدته بامتياز مبهر الممثلة المغربية الشابة جليلة التلمسي، واستحقت عنه جائزة أحسن ممثلة في مهرجان طنجة للفيلم المغربي والجائزة ذاتها في مهرجان الإسكندرية الدولي بمصر.

يقدم عز العرب العلوي عملا سينمائيا متكاملا، تم تصويره في مناخ جبلي صعب، برد جليدي وجغرافيا عصية، وأخذ منه خمس سنوات قبل أن يخرج إلى دائرة التنافس على فرض الذات وحفر التميز في خضم حركية إنتاجية مكثفة للسينما المغربية.

من صورة جميلة ومضيئة تتفاعل مع جماليات الطبيعة الأطلسية الخلابة إلى ديكور طبيعي وعمراني جذاب يضفي على القصة طابعا شبه أسطوري يجعل من الصعب نسبة الأحداث إلى ظرف زمني معين، مرورا بأداء تمثيلي سلس وصولا إلى لغة سينمائية شديدة الاقتصاد، لغة مراهنة على الإيحاء والتعبير الجسدي في أكثر الأحيان.

الأسطورة والواقع
المفارقة الجميلة في "أندرومان.. من دم وفحم" الذي نزل مؤخرا إلى القاعات السينمائية بالمغرب، لعبه على الحدود المتحركة بين الأسطورة والواقع. ما أشبه نمط الحياة داخل القرية بحكايات الزمن الماضي، وما أقرب الأحاسيس التي يحركها من مأساة الواقع القائم في بعض الفضاءات الاجتماعية التي لم تصلها حركة التحديث وظلت غارقة في وحل الفقر والبؤس والتخلف الفكري.

عز العرب العلوي (وسط) لقي إشادة واسعة على باكورة أعماله الطويلة (الجزيرة نت)

مأساة لا يملك معها المشاهد أن يظل على الحياد، "إنهم مواطنون مثلنا -يقول عز العرب العلوي- يعيشون في دائرة النسيان"، وأما وضع المرأة (أندرومان) فليس إلا عصب الحكاية الذي يفضح اختلالات عامة ذات طابع اقتصادي واجتماعي وثقافي تجعل فئات ومناطق محرومة من حظها في الثروة الوطنية.

في المهرجانات التي عرض فيها، حقق فيلم "أندرومان" المعادلة الصعبة بين الجماهيرية والترحيب النقدي.

وفضلا عن أربع جوائز بمهرجان السينما المغربية بطنجة وجائزة لجنة التحكيم بمهرجان سلا للمرأة وجائزة أحسن ممثلة بمهرجان الإسكندرية المتوسطي وجائزتين بمهرجان مسقط، لا يخفي عز العرب العلوي اعتزازه بالتشجيع الذي لقيه من الناقد المصري الكبير، رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية سابقا، علي أبو شادي، الذي اعتبر أن الفيلم شهادة ميلاد لمخرج سيترك بصمته في خريطة السينما المغربية والعربية.

عز العرب العلوي يقدم "أندرومان.. من دم وفحم" نموذجا لسينما بديلة تنصت لنبض الناس وتحترم مقوماتهم وتشخص واقعهم بمصداقية، دون ابتذال أو ابتزاز. هدف من شأنه أن يصب في النهر المتنامي لسينما مغربية تعرف حيوية ملفتة خلال السنوات العشر الأخيرة، بغض النظر عن تفاوت الخصائص والمقومات الفنية للمنجزات السينمائية التي انبثقت عنها.

المصدر : الجزيرة