طارق الشناوي*

كان موزعو السينما العربية يعتقدون أنهم قد عثروا على صفقة العمر من خلال عرض الفيلم التركي "السلطان الفاتح" في دور العرض.

وهكذا وفي نفس التوقيت عُرض الفيلم في كل من القاهرة وبيروت. كان الرهان على الإقبال الجماهيري يبدو عند البعض مضمونا، وكان فقط السؤال عن حجم الإيرادات، ولكن جاءت النتيجة على أرض الواقع مخيبة للآمال.

في بيروت احتجوا على عرض الفيلم واعتبروه مسيئا لمشاعر المسيحيين، ولم يمكث كثيرا في السينما، وهو ما تكرر أيضا في القاهرة ولكن لأسباب أخرى، حيث إن الفيلم لم يقابل باحتجاج طائفي ولكن برفض جماهيري لأنه لم يلامس مشاعر الناس.

هناك من يحاول أن يعثر على تفسير سياسي لنجاح الدراما التركية في العالم العربي، مشيرا إلى أن إعجاب المواطن العربي بالمواقف السياسية لتركيا هو ما يدفعه للتماهي مع المسلسل التركي 

الحقيقة هي أن هذه هي المحاولة الثانية خلال عامين للدفع بفيلم تركي إلى دور العرض، حيث سبق عرض فيلم "وادي الذئاب" الذي لاقى نجاحا ضخما عند عرضه كمسلسل في أكثر من جزء في العديد من الفضائيات العربية، ولكنه تبدد سريعا من دور العرض.

هناك من يحاول أن يعثر على تفسير سياسي لنجاح الدراما التركية في العالم العربي، مشيرا إلى أن إعجاب المواطن العربي بالمواقف السياسية لتركيا الداعمة للثورات العربية ولحقوق الفلسطينيين والرافضة في نفس الوقت لإسرائيل هي التي تدفعه للتماهي مع المسلسل التركي. والحقيقة أنه عند الحديث عن مشاعر الناس لا يجوز أن نضع معادلات أخرى خارج النص.

لا ينبغي أن يشطح خيالنا بعيدا في محاولة للعثور على أسباب سياسية لحالة فنية متعلقة بذوق الناس.

الذي دفع موزعي السينما إلى التقدم بالفيلم التركي "السلطان الفاتح" لدور العرض في أكثر من دولة عربية، تستطيع أن تعتبره فقط أحد توابع نجاح المسلسلات التركية في الفضاء العربي. والحقيقة أن العالم العربي الذي يستقبل الآن الدراما التركية بكل هذا الشغف، كان عدد من نجومه قبل أقل من نصف قرن يحققون رواجا في الشارع التركي.

في نهاية الستينيات وتحديداً بعد هزيمة 67 تعثر الإنتاج السينمائي المصري، وسافر "فريد شوقي" إلى تركيا ولعب بطولة عدد من الأفلام مثل "بعت حياتي"، و"عثمان الجبار"، و"مغامرة في إسطنبول" وغيرها وحققت تلك الأفلام نجاحاً ضخماً، وأصبح "فريد" في الشارع التركي مثل "مهند" في الشارع العربي يطلقون عليه من فرط شهرته "عثمان" وسبحان مغير الأحوال!

هل هو غزو كما يحلو للبعض أن يطلق عليه، خاصة وأن العالم العربي كله صار تحت سطوة المسلسلات التركية التي تشكل النسبة الأكبر من إقبال الجماهير؟

هناك مسافة بين مشاهد التلفزيون الذي ينتظر المسلسل في البيت، وبين "متفرج السينما"، الحالة النفسية تختلف، ولهذا لا يمكن أن يصبح مؤشر النجاح التلفزيوني هو دلالة على النجاح السينمائي

لا أتصور أن توصيف غزو هو تعبير دقيق عن حقيقة ما يجري، ولكنها ظاهرة امتدت وحققت قدراً من الاستقرار النسبي فلم تسع تركيا إلى ذلك، ولم تخطط له، ولكنها الصدفة هي التي أدت دورها في البداية حيث نجح مسلسل تركي، ثم حدث انتشار لهذه المسلسلات التي تمت "دبلجتها" إلى العربية في سوريا قبل أربع سنوات، لتنتقل من فضائية إلى أخرى حتى أصبحت بمثابة طبق درامي ثابت لا يمكن الاستغناء عنه في البيت العربي.

إلا أن السؤال الأهم هو هل مزاج المشاهد التلفزيوني يتوافق أيضاً مع مزاج وإيقاع الجمهور السينمائي؟ هناك مسافة ما بين مشاهد التلفزيون الذي ينتظر المسلسل في البيت وبين "متفرج السينما" الذي يتهيأ لكي يذهب إلى دار العرض، الحالة النفسية تختلف، ولهذا لا يمكن أن يصبح مؤشر النجاح التلفزيوني هو دلالة على ترقب النجاح السينمائي.

وكما أن هناك نجما يلمع تلفزيونياً وآخر سينمائيا، فإن هناك تباينات نفسية وموضوعية بين المجالين، وكل هذا بالطبع يؤثر سلباً على الرهان التجاري.

فيلم "السلطان الفاتح" للمخرج فاروق اكسوي ملحمة تاريخية حيث حصل السلطان "محمد الثاني" على لقب "الفاتح" لأنه فتح مدينة "القسطنطينية" ذات الحصن المنيع، والتي كانت مجرد حلم عاشته الأمة الإسلامية على مدى يزيد عن ثمانية قرون عندما قرر سيدنا "عثمان بن عفان" رضي الله عنه أن يقتحمها، وتعددت المحاولات بعده ليتم الفتح الإسلامي لها 29 مايو/أيار 1453 على يد محمد الفاتح ليطلق عليها "إسلام بول" وكلمة "بول" تعني "دار"، ومع الزمن صارت هي "إسطنبول" حاضرة الجمهورية التركية.

هل الفيلم يقدم للجمهور في هذا التوقيت نوعا من تضميد الجراح النفسية بعد مساحة الغضب الذي اجتاح العالم الإسلامي بضراوة بعد الفيلم المسيء للرسول عليه الصلاة والسلام "براءة المسلمين"، فصارت المشاعر تتوق إلى استعادة صفحات مضيئة للإسلام القوي القادر على أن ينشر الإسلام، وينتصر للعقيدة ويعيد الحق لأصحابه، لنرى إسلاماً فتياً يقدم الوجه المضيء للدعوة المحمدية، خاصة وأن السلطان الفاتح أكد في الجزء الأخير من أحداث الفيلم -بعد أن فتح القسطنطينية- على السماح لأهلها بممارسة شعائرهم الدينية، وعلى حقهم في دفن مليكهم طبقا لعقيدتهم؟

لم يغفل الفيلم التأكيد على أن المسلمين لم يخاصموا العلم في صراعهم مع العدو بقدر ما كانوا يهتفون بقلوبهم قبل حناجرهم: الله أكبر. كانوا يصنعون مدافع جبارة تفاجئ العدو لتتمكن قنابلها أن تخترق الحصن الأسطوري

الفيلم هو أضخم إنتاج سينمائي تركي كما تقول أجهزة الإعلام، تجاوزت الميزانية 17 مليون دولار هناك، وسبق تقديم هذه الملحمة التاريخية في مسلسل تلفزيوني ومسلسل كارتوني وهي تحظى عادة بكثافة مشاهدة عالية.

المشهد الرئيسي هو عملية اقتحام الحصن المنيع الذي يحمي مدينة القسطنطينية الذي فشلت أعتى الجيوش في اقتحامه، حتى إن البعض من بين القواد في الجيش التركي كانت قد تغلبت عليه مشاعر الهزيمة لولا أن السلطان "محمد الفاتح" كان لديه القوة بموقفه الفكري والنفسي فكان قادراً أن يعزز الروح القتالية داخل نفوس جنوده ليواصلوا اقتحام الحصن المنيع.

لم يغفل الفيلم التأكيد على أن المسلمين لم يخاصموا العلم في صراعهم مع العدو بقدر ما كانوا يهتفون بقلوبهم قبل حناجرهم: الله أكبر. كانوا يصنعون مدافع جبارة تفاجئ العدو لتتمكن قنابلها أن تخترق الحصن الأسطوري.

في عدد من التفاصيل شاهدت بعض مقاطع من فيلم "الفاتح" وكأنها تُقدم شيئا من فيلم "أحدب روتردام"، الذي لعب بطولته قبل ستين عاماً "أنتوني كوين" وكأنه تنويعة أخرى خاصة في تلك المشاهد التي حاولوا فيها اقتحام الكنيسة في الفيلم الأميركي الشهير.

الفيلم التاريخي لم يكن مضبوطاً على موجة الجمهور، هل لأنه تاريخي وليس اجتماعياً مثل العديد من المسلسلات التركية، التي عرضت وحققت كثافة مشاهدة ضخمة خلال تلك الفترة، خاصة وأن "الدوبلاج" الصوتي جاء باللغة الفصحى، وجمهور السينما خاصة المصري لم يعهد التعامل بها أو حتى التفاعل معها سينمائياً.

برغم النجاح الذي لا يمكن إنكاره عبر الشاشة الصغيرة للدراما التركية في البيت العربي، فلقد تعثر قطار الفلم التركي عن السير في الشارع والعبور إلى مشاعر الناس، إنها هزيمة سينمائية ولا شك، ولكنها مجرد جولة أولى ربما لو أحسنوا اختيار الفيلم التركي الذي يُحدث تماسا مع الجمهور لحقق الفيلم التركي انتصارا في الشارع العربي، أكرر ربما.
ــــــــــــــــ
* كاتب وناقد فني مصري

المصدر : الجزيرة