يحيى جبر: انبعاث مجمع اللغة مجددا يحتاج إلى قرار سياسي ودعم مالي (الجزيرة نت)

حاوره: عاطف دغلس-نابلس

تعيش اللغة العربية في فلسطين واقعا مختلفا عن غيرها من الدول العربية، وذلك بسبب الاحتلال الذي -كما يقول المختصون- لا يقف عند حقبة أو هدف معين بل إن هدفه محو اللغة التي هي أهم ما يثبت الفلسطينيين في أرضهم. 

الدكتور يحيى جبر أستاذ اللغة العربية بجامعة النجاح والخبير اللغوي الفلسطيني ومؤسس مجمع اللغة العربية الفلسطيني/ بيت المقدس، في هذا الحوار الخاص مع الجزيرة نت يسلط لنا الضوء على أبرز مآسي ومشاكل هذا المجمع وكذلك المخاطر التي تهدد لغتنا العربية. 

 دكتور يحيى هل ممكن أن تحدثنا لو سمحت عن بدايات مجمع اللغة العربية الفلسطيني؟

ظهرت الفكرة في الثمانينيات من القرن الماضي لدى المرحوم إسحق الحسيني وثلة من الأخيار اللغويين الفلسطينيين الذين حاولوا أن يقوموا بشيء من هذا القبيل، فلم يُوفقوا حينها بإنجاز الفكرة.

وظلت الفكرة قائمة إلى عام 1992 حيث كنت أعمل بجامعة النجاح الوطنية بنابلس وحينها اتصلت ببعض الإخوة والزملاء المهتمين والذين لهم ميول لذلك وشكلنا الهيئة التأسيسية لمجمع اللغة العربية، وكنت حريصا وزملائي على تنوع الهوية الفلسطينية في المجمع فكان باللجنة عضو من فلسطين المحتلة عام 1948 ومن الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى من الشتات وبعض العرب المنتسبين شرفيا له.

وسعينا منذ قيام المجمع للحصول على شرعيته، فتواصلنا مع منظمة التحرير الفلسطينية في تونس وكان السيد يحيى يخلف مسؤول دائرة الثقافة فيها، والذي قال إن الفكرة مباركة وجيدة.

ونشط معنا في البدايات بعض الكتاب والمثقفين، فكان الشاعر والكاتب المتوكل طه والذي يشغل الآن سفيرا لفلسطين في ليبيا كما انضم إلينا رؤساء الجامعات الفلسطينية، وعقدنا مؤتمرا صحفيا في مجلس التعليم العالي برام الله وأعلنا تأسيس المجمع وكنت مقرر الهيئة التأسيسية فيه وانتخبت رئيسا للمجمع عام 1993.

وشهدنا بعد ذلك وبفترة وجيزة قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية، وتوجهت للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في غزة في سبتمبر/أيلول 1994 واعتمد فكرة مجمع اللغة العربية.

لم ترصد لنا أي ميزانية رغم مباركة السلطة لمجمع اللغة العربية، وكان جمع التبرعات بشكل شخصي وصداقات ومعارف أكثر منه رسميا، وعلى كل حال لم نجمع أموالا ضخمة ولم يكن المجال متاحا لذلك

وبعدها توجهت إلى سوريا والأردن والقاهرة للحصول على اعتراف اتحاد مجامع اللغة العربية بالمجمع الفلسطيني وقد تم ذلك، وجاءتنا رسائل مباركة وتأييد من المغرب وليبيا والسعودية والعراق وغيرها، وباشرنا بالعمل وراسلت مؤسسات عربية كثيرة لتزويدنا بمجلات وكتب وأرسلوا لنا كمية وأدخلناها إلى هنا بعد مشاكل معقدة مع الاحتلال رغم أننا دفعنا ضريبتها الجمركية.

ولم يكن للمجمع أي مقر، فمنذ انتخابي رئيسا له حتى عام 1996 كان مقره حقيبتي إلى أن انتخب الدكتور يونس عمرو رئيسا له في ذلك العام، فحنّ علينا مكتب المؤسسات الوطنية برام الله ومنحنا غرفة في إحدى الشقق لتكون مقرا للمجمع، ولكن كما أن من استلمه من بعدي لم يتابع الأمر وللأسف الشديد بشكل سليم.

   وماذا عن عضوية المجمع، تشكيلته طريقة انتخابه؟

قلت لك، أنا من تولى تأسيسه وزملاء آخرون بعد أن وجدنا أن فكرته موجودة ببعض الدول، حيث وجدنا أننا في فلسطين أولى من غيرنا من العرب بأن يكون لدينا مجمع للغة العربية ليس من باب أننا أفضل وإنما لكون واقع اللغة العربية في فلسطين يستدعي أن يكون هنالك مجمع للغة العربية.

أما اللجنة التأسيسية للمجمع فهي مكونة من أحد عشر عضوا، وفيها هيئة إدارية وأخرى عامة، ووضعنا شروطا بألا يلتحق بالمجمع إلا من كان أستاذا مشاركا وكنا نختار النخبة، ولكن فتحنا الباب أمام الفلسطينيين بالخارج، والتحق بالمجمع المرحوم أحمد صدقي الدجاني من القاهرة، وإحسان العباس، وأحمد مطلوب وهو عضو شرف.

وحددنا رؤية المجمع وأهدافه كما حددنا فترة انتخاب رئيسه كل أربع سنوات، وانطلقنا والأمل يحدونا من كل جانب ولكننا وللأسف الشديد اصطدمنا بواقع مأساوي وصعب.

 من أين كنتم تحصلون على الدعم؟ 

لم ترصد لنا أي ميزانية ولا فلس واحد رغم مباركة السلطة له وكان جمع التبرعات بشكل شخصي وصداقات ومعارف أكثر منه رسميا، وعلى كل حال لم نجمع أموالا ضخمة ولم يكن المجال متاحا لذلك.

فقد توجهت للبنك العربي بالأردن وأعطونا 500 دينار أردني فقط (700 دولار) كما قدّم البنك الإسلامي في عمان لنا مائة دينار، وكانت الثقة بنا وبفكرتنا السامية هي العنصر الأساس الذي كنا نعتمده لجمع التبرعات، ومع ذلك لم نجمع سوى هذه المبلغ خلال فترتي.

واستطعت أن أدخل أكثر من ألف كتاب ومجلة قيمة فيها مراجع ودوريات، وسُلمت جميعها للرئيس الجديد برام الله ولا أدري الآن أين هي.

وكتبت رسائل كثيرة لمؤسسات داخلية وخارجية ولكن أحدا لم يستجب وكنا ننفخ في قربة مشقوقة، وكانت المعضلة بعدم ثقافة الشعوب بمهمة ودور مثل هذه المؤسسات بتثبيت الفلسطينيين ودعم صمودهم.

والسلطة الفلسطينية كذلك قصّرت بالإنفاق على المجمع وتبنيه، ورفضنا دعم الجهات التي قد تضطرك إلى أن تُنفذ رؤيتها ببعض الأمور.

  قلت بأن المجمع انتقل إلى رئاسة ثانية عام 1996 وهي للدكتور يونس عمرو، فهل كان عهده أفضل؟ وهل استمررت أنت في المجمع وأين استقر به المطاف؟

إثر انتخاب الدكتور يونس عمرو أربع سنوات عام 1996 لم يتحرك المجمع إلى الأمام، وأعتقد أن التقصير لم يكن منه فلو كان هنالك إمكانات لفعل.

وبعد ذلك انتخب الدكتور أحمد حسن حامد عام 2000 وما زال حتى اللحظة رئيسا للمجمع رغم انتهاء ولايته عام 2004. وهنا كانت المشكلة الأصعب التي تواجهنا، فهو لم يُسّلم المجمع للهيئة الإدارية أو للهيئة العامة لتنتخب لجنة جديدة. 

وبالتالي صدرت اتهامات هنا وهناك باختطاف المجمع وشل حركته خاصة وأنه لم يُنفذ طوال هذه الفترة أية نشاطات سوى إصدار عددين من مجلة المجمع عام 2005، كل ما هنالك أن زملاءنا بالمجمع يشاركون في حضور المؤتمرات التي تحدث بالقاهرة أو في المغرب أو دمشق.

  هل يعني ذلك أن المجمع أصبح مملكة لرئيسه؟

لا أعرف، وعندما نقول له جدّد يرد بأن عنده تعليمات من السلطة الفلسطينية ألاّ أفعل شيئا، والسلطة تعي أن المجمع ليس مؤسسة حكومية وليس حكرا على أحد وإنما له هيئة عامة هي التي تنتخب رئيسا وهي التي تقرر.

على أي حال المجمع بثوبه الحالي أصبح كمجامع اللغة العربية في بعض الدول التي يظل رئيس المجمع بها حتى يموت.

فالموات يأتي من موات الأمة، وهذا الاضطراب في الأوضاع السياسية والنفسية في الوطن العربي يضاف إلى ذلك من نشاط القيادة، والمجمع له قيادة والمؤسسة لها قيادة، وإذا كانت أي القيادة نشطة تجد المجمع في تقدم لأن أي مؤسسة تحتاج إلى فكر إبداعي وفكر قادر على اقتحام الواقع المريض الميت الذي تعيشه الأمة.

  يظهر من كلامك دكتور جبر أن حال اللغة العربية وواقعها في فلسطين لم يكن مرضيا عنه من طرفكم، وبالتالي أنشأتم المجمع?

نعم، فالوضع اللغوي في فلسطين يختلف عنه في البلدان العربية الأخرى، حيث في هذه البلدان نجد العربية تزاحم الإنجليزية والفرنسية لما لتلك اللغتين من سطوة بسبب الاستعمار سابقا ولأنهما من لغات الحضارة أو اللغات الحية المعاصرة، بينما العربية في فلسطين تعاني مثل العربية في تونس وفي الجزائر والعراق واليمن من وطأة الإنجليزية والفرنسية ولكنها إلى جانب ذلك تعاني من اللغة العبرية وسطوتها.

هذه البغضاء والشحناء التي يزرعونها في عقول أطفالهم وهم يعلمونهم العربية العامية، هم بذلك يطبقون نظريات المستشرقين الأجانب ويؤكدون على مقولاتهم أن العرب هم شعوب من الدرجة الثانية وأغيار مسخرين لخدمة اليهود

واللغة العبرية تختلف في وطأتها وطغيانها من اللغة الإنجليزية والفرنسية ذلك أن العبرية تحتل البلاد احتلالا عسكريا، وهذا الاحتلال في حقيقة الأمر انعكس على كل تفاصيل المجتمع وعلى كل مكونات النسيج الفلسطيني، من التركيبة السكانية الاجتماعية، والعادات والتقاليد، إلى الاقتصاد والسياسة واللغة، فأصبحنا نجد من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر "فلسطينيو48"  لا يتكلمون عربية فرنسية أو بالعربي وبالإنجليزي وإنما أصبحوا يتكلمون بالعربي وبالعبري إضافة إلى ما قد نجده في ألفاظهم من ترسبات العهد الاستعماري البريطاني من كلمات إنجليزية.

 إذا لغتنا العربية في فلسطين تعيش حالة مزرية وتحوم حولها مهددات مختلفة، أليس كذلك؟

بلى، الواقع اللغوي في فلسطين يعيش حالة من الجمود المخيف، فالمحتل مثلا يدرس العربية بمدارسه ولكن أي عربية وبأي ثوب، اطلعت على كتاب للصف السادس "كتاب اللغة العربية" الذي يدرسونه لطلابهم اليهود بالمرحلة الابتدائية فوجدت أنها العربية العامية.

وحتى غلاف الكتاب رسموا عليه أطلال قرية عربية مهدمة ومدخلها بيوت من العقود القديمة، وليست هناك شوارع وإنما طريق ترابية، وعلى مدخل القرية صورة مسجد من بعيد وفي مقدمة الصورة يظهر وعاء زبالة على الأرض والقطط تتناول من داخله الطعام.

هذه البغضاء والشحناء التي يزرعونها في عقول أطفالهم وهم يعلمونهم العربية العامية، هم بذلك يطبقون نظريات المستشرقين الأجانب ويؤكدون على مقولاتهم إن العرب هم "الجوييم" شعوب من الدرجة الثانية وأغيار مسخرون لخدمة اليهود.

وللأسف الشديد أنهم طبقوا كل علامات الدرجة الثانية على كل مكونات المجتمع الفلسطيني بمعاملاتهم وتصرفاتهم.

  نفهم من كلامك أن اليهود لهم غايات ومقاصد عبر تدريس أبنائهم العربية العامية فقط، وهل التحريف والتبديل هدفهم من ذلك، ولا سيما للتاريخ الفلسطيني وتزويره لصالحهم وبما يخدم أهدافهم؟

اللغة سلاح ذو حدين، عندنا في ديننا "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم"، وعندنا اللغة قد تكون عاملا من عوامل الحوار الحضاري بين الأمم، فأن نتعلم لغتهم وأن يعرفوا لغتنا، هم يريدون من وراء ذلك أن يُمكنوا أبناءهم من معرفة أفضل السبل للتعامل معنا، لأنك عندما تكلمني بلغتي لا أجد أني بعيد منك ولكن أجد أن ثمة علاقة بيننا.

واليهود يسعون لإهمال اللغة العربية المعروفة بسلاستها وفصاحتها، وهم لا يقومون بذلك بطريقة مباشرة بل يعتمدون على الخلل العام الحاصل بالأمة، أمتنا مصابة بالترهل، وسببه أمران هذه الدنيا التي بسطت يدها للناس وأصبح كل شيء ميسورا ومتاحا، والثاني من خلال ما يسمى بالتحديث والعولمة، وأنا معها لكن على ألا تذوب فيها صبغتي وألا تطغى عليها الأميركية أو الغربية.

   إذا، الاحتلال ليس وحده الذي يهدد لغتنا العربية؟

  الاحتلال واحد ثم جهلنا نحن بالعربية، نحن لم نعد عربا، وكتبت مرات عددية مقالات قلت فيها "تعربوا يتعرب كل شيء" و"لغتنا سهلة إلا على الغرباء".

عندنا أيضا في مناهجنا قصور، ذكر لي مدير المناهج سابقا بوزارة التربية والتعليم الدكتور صلاح ياسين أن مسؤولا في إحدى السفارات التي تمول المناهج جزئيا يأتيهم بين الفينة والأخرى بلائحة من الألفاظ ويقول: "إياكم أن تستخدموا هذه المفردات في مناهجكم مثل كلمة جهاد ومقاومة وغيرها".

وبالتالي هذا أضعفنا في تقوية مناهجنا التي يجب أن تكون ذاتية، لأنهم يدركون أن المنهاج هو الذي ينشئ الجيل القادم وهم يريدون جيلا مدجنا.

أميركا تريد أن تخرج لنا لغة جديدة نتعامل بها مراعاة لظروف معينة، رغم أنها جزء من عقيدتنا ونحن لا نجاهد أي إنسان وإنما نجاهد الباغي المعتدي.

وأبناؤنا لم يعودوا يجدون شعورا بالانتماء تجاه لغتهم، وتجاه حضارتهم وثقافتهم، وعندنا الكلمات الفصيحة العربية، ولكنهم يرددون كلمات إنجليزية أو فرنسية أو عبرية بدلا منها، وأصبحوا يستصعبون العربية.

 ما سبب ذلك باعتقادك؟

السبب في ذلك هو المناهج والقرار السياسي والمدرسون، فعندما يهون المدرس يهون كل شيء، فالمدرس كان له هيبته وعلمه ووقاره ولم يعد كذلك، بل أصبح مسكينا وحشر بالزاوية بمرتب محدود لا يكفيه، وهو بالتالي يحتاج لمن ينصفه.

وهذا جعله يفقد الشعور بالانتماء لأمته ولتاريخه ولحضارته جرّاء المتغيرات المتلاحقة بالسياسات العربية التي أدت لتقهقر العامل الحضاري والفكري، وبالتالي انعكس ذلك على الجانب الخلقي الذي انهدم أو يكاد يكون قد انهار كليا أو جزئيا وهذا كله انعكس على المهنة.

وانهيار العامل الأخلاقي إضافة لغياب القرار السياسي بالتعليم جعلنا في تقاعس ذاتي وهجوم غربي وإسرائيلي وقصور في المناهج. كل هذا يشير إلى أن اللغة العربية تعيش مرحلة صعبة ومحاطة بالمخاطر من كل زاوية.

 فأين يكمن هذا الخطر، هل هو باللغة نفسها أم بالمنهاج؟

التعليم تنشئة والتنشئة تتحكم بها الأسرة والأستاذ، كذلك المدرسة تُنشئ وتربي، وهنا المدارس التي يُسيطر عليها الاحتلال بالقدس وغيرها من الأماكن خاضعة للتوجيه النفسي الذي يديره خبراء مختصون بهذا المجال، فهم يشبعون المناهج معلومات وأفكارا قد تكون مباشرة أو غير مباشرة بحيث تمكنهم في آخر المطاف أن يخرجوا أجيالا منتمية لبلادها باسمها ولكنها تنتمي للمحتل بمنهج تفكيره.

ولكن في بلادنا أصبح هنالك من يقبل التعايش مع الاحتلال وهو محتل لأرضه وبلده وطعامه وشرابه، بل حتى نجد أحزابا عربية وجهات عربية وأنظمة تتناغم مع هذا الفكر.

أما المنهاج الحالي فيحتاج لتنقية وتنقيح ولهوية فلسطينية، وفلسطين تحتاج إلى هوية عربية إسلامية مسيحية مشتركة، ففي الوقت الذي تعلمنا فيه لغتنا العربية عبر قصص البطولة والعز، نتعلمها الآن من خلال دروس الطعام والشراب وثقافة القيم الاستهلاكية.

وبالتالي المنهاج يحتاج إلى رؤية شاملة وإستراتيجية فكرية، وهذا التطور بحاجة لتطوير العامل السياسي الممثل بمنظمة التحرير.

 ما المطلوب حتى ننشأ بلغة عربية فلسطينية سليمة بعيدة عن الضعف والهزل؟

ينبغي غسل دماغ المدرس، فنحن بحاجة لوقفة مع الذات ولقرار سياسي وإلى إعادة تأهيل كل القائمين على مهنة التدريس في فلسطين خاصة والوطن العربي عامة، فنحن نعاني كما يعاني العرب في أوطانهم إضافة إلى أننا نعيش تحت الاحتلال.

  المطلوب الآخر؟

وقفة صادقة مع الذات لإستراتيجية ورؤية شاملة قومية وليست فقط فلسطينية وأن تعبر مناهج عن إرث الفلسطينيين وتراثهم بشيء من الحداثة، فأكثر ما يهددنا هو الفصل بين اللغة وتراثها وهذا يقضمها ويقصم ظهرها، نحن كفلسطينيين نحتاج أكثر لهذا التاريخ وهذا التراث في لغتنا بظل طغيان العبرية.

فالعربية بفلسطين ليست أفضل من غيرها بالبلدان العربية، وأنا درّست بجامعة بنغازي خمس سنوات ودرست بوزارة التربية والتعليم بالسعودية ولا أجد أن العربية عندنا أفضل، وإنما الحال بعضه من بعض.

 بالعودة مجددا إلى مجمع اللغة العربية الفلسطيني، ما أبرز التحديات التي تُفرض على مجمع اللغة العربية ونحن نعيش العام 2012؟

تشتت الهيئة العامة، لأنها غير قادرة على أن تجتمع بعضهم بغزة وبعضهم هنا بالضفة، هذه قضية وطن فهو اسمه مجمع اللغة العربية الفلسطيني -بيت المقدس- وهناك خطة طموحة كانت للعمل.

التحدي الآخر هو غياب الموازنة فكنا ننفق من جيوبنا الخاصة وأعضاء اللجنة التأسيسية كل واحد دفع عشرين دينارا رسوم اشتراك، وللعلم فالمجمع مدين لي بمبلغ 280 دينارا ولم يسددها أحد حتى الآن.

وهناك تحد ثالث لنا وللمجمع وهو سطوة البعض عليه، وكتبت ذات مرة لمستشارين للرئيس أطلقوا سراح المجمع وهو مؤسسة وطنية وهو عنصر مقاومة حضارية، ولم يردوا علينا سوى بوعود لم أجد لها نتاجا.

ولا أدري ما السر وراء ذلك، وإذا كان الأمر يتعلق بالانقسام فهو ليس عذرا، لأننا أجرينا انتخابات سنة 2000 دون قدوم أعضاء غزة وتمت الانتخابات بالوكالة برام الله.

كما حاولنا إصدار معجم لألفاظ الانتفاضة ولاقت الفكرة استحسانا من رئيس المجمع وغيره، فأصدرنا كتابا وترجمناه للفرنسية والإنجليزية ولكن لم يطبع وبقي طي الأوراق.

كما لم يصدر المجمع أي كتب أخرى ولم يتبن أي كتاب أو أدباء أو شعراء حتى اللحظة.

هل تنبعث الحياة مجددا بمجمع اللغة؟

الحياة لا تنبعث من تلقاء ذاتها، بل تحتاج إلى باعث وهو القرار السياسي وإلى المال وهذان الأمران مفقودان، كما لا بد أن يتحرر من داخله كي يستفيد الكل الفلسطيني منه.

الأكاديمي العربي أو الفلسطيني لا يدعم وهو بحاجة لمن يدعمه، وأنا أقمت في بعض الدول أربعة أيام، ثلاثة منها بمراكز المخابرات خلال جمعي للتبرعات للمجمع الذي يحمل اسم "مجمع اللغة العربية الفلسطيني/ بيت المقدس".

كما تحملت أعباء السفر والتنقل وشاركت بمعارض الكتاب الدولية في بعض الدول وذهبت وعدت على نفقتي الخاصة، ولم يتكلف أحدا خلال مشاركتي في إحدى الدول بدعم الكتب الفلسطينية المشاركة.

المصدر : الجزيرة