جانب من الحضور في الحلقة الدراسية عن دور الأدب في إطلاق شرارة الربيع العربي (الجزيرة نت)

نصر الدين الدجبي–أمستردام

اعتبر مشاركون في سلسلة حلقات دراسية نظمها مركز أمستردام لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة أمستردام عن الأدب الشرق أوسطي أن فصل الأدب العربي عن المنظومة السياسية السائدة بالعالم العربي كان عاملا مهما ساهم في انطلاق الحراك الثوري العربي، وهو الكفيل بحماية هذا الحراك بالمستقبل.

وأكد المشاركون أن شعر أبي القاسم الشابي ساهم في تثبيت الاعتقاد بإرادة الإنسان وشد الهمم، وشعر أحمد فؤاد نجم الذي يلامس هموم المواطن، إضافة إلى ما جادت به القريحة الأدبية الشعبية، هو ما كانت تردده حناجر الثوار في ساحات الثورة في تونس ومصر واليمن ويبعث فيهم استمرار النَفس الثوري.

وتطرق الدكتور مريوان قانع -في الحلقة الخامسة والأخيرة يوم الخميس 4 أكتوبر/تشرين الأول 2012 - في محاضرته بعنوان "الكتب والثورات.. الاحتجاج في أدب العالم العربي" أمام الطلبة والأساتذة ومهتمين بالأدب العربي، إلى الدور الذي لعبه الأدب العربي في تأجيج ثورة الربيع العربي الحالية، موضحا أنه يصعب القول إن الأدب العربي صنع الثورات ولكنه كان عاملا مهما في تأجيجها.

وتناولت أهم محاور سلسلة الحلقات العلمية والأدبية الأربع الأولى التي تواصلت على امتداد شهر سبتمبر/أيلول المنصرم السياسة الشرعية بالشرق الأوسط، وصورة الفلسطيني في الكتاب الإسرائيلي، وفاعلية العوامل السياسية في الثورة، والثورة المصرية بين الجيش والإخوان.

جمهور الحلقات يتابع ندوة قانع (الجزيرة نت)

تزاوج
واعتبر قانع أنه مع دخول المستعمر للمنطقة العربية سادت حالة تزاوج بين الأدب العربي الحديث والحكم حيث كان المقاومون متناغمين ويسيرون على نفس الخط يجمعهم بمنظومة الوحدة العربية ومقاومة المحتل، "مرحلة كان يتكلم فيها الأدب نفس لغة السياسة ويمنح كل منهما الشرعية للآخر" يقول قانع.

وبرز في هذه المرحلة بحسب قانع كتّاب وروائيون وشعراء يتغنون بالوحدة العربية من مثل رواية زينب لهيكل وشعر أحمد شوقي وإبراهيم مازني وتوفيق الحكيم وأدب طه حسين، وتميزت فترتهم بالنظرة التفاؤلية للتاريخ والاستشراف لفلسفة الأنوار، واعتقدوا أنهم سائرون إليها معا.

انفصال
وقد انتهى -بحسب قانع- هذا التناغم ببروز الدولة الوطنية بمنتصف الخمسينيات حين كتب نجيب محفوظ روايته الشهيرة "أولاد حارتنا"، وبدأ فيها خطا فاصلا بين سطوة الساسة والأديب في الالتصاق بهموم الناس، حيث "تحول الأدب العربي بمجالاته المختلفة من تحت عباءة السياسي للارتباط بهموم الناس وتعرية الممارسات التسلطية الاستبدادية التي بدأت تسود أكثر مع الدولة الوطنية".

ولمع في هذه الحقبة -بحسب قانع- العديد من الشعراء والكتاب والروائيين مثل محمد مغول وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش وعبد الرحمن منيف وهدى بركات وغيرهم من رموزٍ مقاومة لهيمنة السلطة ومنتقدة لظواهر اجتماعية.

الفردية
المستعرب روبرت فولترينغ من جامعة أمستردام أوضح للجزيرة نت على هامش الملتقى أن ملامح الأدب العربي في فترة ما قبل الثورات تميز ببروز الإبداع الذاتي للأديب خارج منظومة السلطة أو المجموعة، مما أعطاه بعدا آخر يقترب أكثر من قضايا الناس ومشاغلهم، مبينا أن هذه المسافة بين الأديب والحاكم منحت الفرصة للأديب أن يلتصق بهموم الناس بعيدا عن الضغط الذي يريد السياسي أن يضعه فيه.

المستعرب روبرت فولترينغ  (الجزيرة نت)

وكتب فولترينغ مؤخرا دراسة لمجلة الدليل التابعة لجامعة أمستردام بعنوان "الثورة العربية في الأدب الروائي"، تحدث فيها عما لعبه البعد الروائي في تأجيج الربيع العربي وما تميزت به الروايات من جانب إيحائي وتمثيل يلامس الحقائق، وقد تُرجم عدد من الروايات التي كتبت أثناء الثورة وفي ساحة التحرير مثل "7 أيام" لهشام الخشن -وهي الرواية الأولى عن ثورة يناير في مصر- ورواية "مائة خطوة من الثورة" لأحمد زغلول الشيطي التي يروي فيها المؤلف ما شاهده خلال 18 يوما الأولى من الثورة في ميدان التحرير.

تفاؤل
واعتبر مريوان قانع في حديث للجزيرة نت أنه رغم حالة الضبابية في واقع الثورات العربية فإن توجه  الأدب العربي للحديث عن الفرد وملامسة قضاياه الحقيقية والمعاناة التي يمر بها نتيجة الاستبداد تجعله متفائلا، وبين قائلا "اهتمام الأديب بالإنسان وهمومه والتخلي عن السلطان لصالح الفرد ومعاناته تجعل المستقبل أكثر وضوحا والربيع أكثر ازهارا".

وقالت أماكا كاكومان الطالبة بقسم الأدب العربي بالجامعة إنها جاءت للأيام الدراسية حتى تتعرف أكثر على التفاعل بين الأدب العربي والثورات، وأعربت عن تخوفها من الضبابية السائدة بالحراك الدائر بالمنطقة مما يحدث خلطا بين ما هو سياسي وديني وأدبي.

المصدر : الجزيرة