مجسم يجسد معلما عام 1947

إيمان مهذب-تونس

يتوقف الوقت للحظات أمام اللوحات والصور والمعروضات التي توثق لتاريخ التعليم في تونس، وتعود عجلة الزمن إلى الوراء لتقدم لزائر متحف التربية بالعاصمة التونسية فكرة عن بدايات الكتابة وتطورها وعن تاريخ التعليم ومراحله، مختزلة بذلك تجارب عصور طويلة، تعاقبت فيها الحضارات تاركة آثارها في تاريخ البلاد.

الزائر للمتحف سيكتشف ملامح 32 قرنا من الكتابة والتعليم والمعرفة تمتد من 1101 قبل الميلاد إلى 2008، حيث إن الموقع الإستراتيجي لتونس -أو أفريقيا كما تسمى قديما- جعل منها نقطة التقاء حضاري منذ القدم.

وعرفت البلاد ظهور الأبجدية الفينيقية مع تأسيس مرفأ أوتيكا في نهاية القرن الـ12 قبل الميلاد.

وتقدم أكبر لوحة في المتحف تاريخ الأبجدية في المتوسط، وهي تبرز عبر عدد من الدوائر تعاقب الحضارات وفكرة عن الكتابات وتطورها.

وعن هذه اللوحة، تقول المتصرفة في الوحدات المتحفية فريدة العربي للجزيرة نت "هي لوحة مركبة وتستفز الزائر وتجعله يتساءل"، لكنها تقدم الكتابات عبر العصور، "أي الفينيقية واللوبية واليونانية ثم اللاتينية فالعبرية وأخيرا العربية"، وهو ما تجسده لوحة أخرى بوضوح أكثر.

ويرى مدير المتحف مختار العياشي أن الزمن في متحف التربية لا يتوقف, مشيرا إلى أنه ممتد من التاريخ القديم ومنذ الكتابات الأولى التي عرفتها تونس وحتى الزمن الراهن.

جزء من قاعة للتعليم العصري تعود إلى أربعينيات القرن الماضي

الزمن التراثي
ويضيف أن المتحف يعطي فكرة عن علاقة تونس وجدليتها مع البحر الأبيض المتوسط، وعن حركة الأفكار والمسافرين وحركة البضاعة التي تحمل مضمونا ثقافيا أيضا.

وذكر العياشي، وهو أيضا أستاذ جامعي وباحث صدر له عدد من المؤلفات في تاريخ التربية التعليمية، أن المتحف لا يعرض أشياء ثابتة بل هو بمثابة رحلة ذهاب وإياب عبر الذاكرة في جدليتها مع الزمن التراثي والتاريخي, مشيرا إلى أن هذا التراث التاريخي يجب أن يوظف خدمة للمستقبل.

ويضم المتحف وثائق وصورا مختلفة تتعلق بتاريخ التعليم في تونس، بالإضافة إلى عدد من النصوص القانونية والإدارية التي تنظم المدرسة التونسية، فضلا عن كتب مدرسية من فترات مختلفة، وعدد من الوسائط التعليمية، وأثاث مدرسي قديم، ووثائق سمعية بصرية توثق لتاريخ التربية في تونس.

كما أنه يشمل وحدة للبحث العلمي متخصصة في تاريخ المدرسة التونسية، وأخرى للأنشطة الثقافية المدرسية.

وأوضح العياشي أن المعروضات المتحفية تم جلبها من مناطق عدة في تونس، مشيرا إلى أن الوثائق الموجودة بالمتحف "نادرة وفريدة"، حيث إن السجلات التاريخية للمدارس، والتي يعود تاريخها إلى نهاية القرن الـ19، تقدم تفاصيل عن تاريخ المدرسة وعن علاقتها بالبيئة الاجتماعية والثقافية آنذاك، فضلا عن توثيقها لأهم الأحداث المهمة التي عاشتها البلاد.

كما ذكر للجزيرة نت أن هذه الوثائق تعطي فكرة عن أول فتاة درست في تونس وعن أول مدرسة ونسب الاختلاط وغيرها من معطيات مهمة لقراءة تاريخ المدرسة التونسية عبر العصور.

فريدة العربي: كثير من زوار المتحف يعودون وعادة ما نلاحظ تأثر كبار السن

العلوم الطبيعية
وتمكن قاعات العرض زوار المتحف من التعرف على الوسائل التعليمية التي اندثر الكثير منها، من ذلك قوارير الحبر وريشات الكتابة والمقلمات الخشبية واللوحات المصنوعة من الحديد وغيرها من الأدوات التي كانت تستخدم لتدريس العلوم الطبيعية والفيزياء والكيمياء.

وفي الجزء الخاص بالتعليم الزيتوني، تجسد المعروضات مراحل التعليم التقليدي، ويسود الصمت في حضرة "المؤدِّب" الذي يعلم الأطفال القرآن الكريم.

وفي السياق تقول فريدة العربي إن هذا المشهد يجسد كل الوضعيات بقاعة "الكتّاب"، من ذلك رفع اللوحات والكتابة عليها بالصمغ، ووضعها حتى تجفّ وغسلها، وهي تجسد أيضا تأهب أحد التلاميذ للعقاب بـ"الفلقة".

أما قاعة التعليم العصري فهي أكثر اختلافا، وكل ما فيها يعود بالزائر إلى أربعينيات القرن الماضي، إذ إنه يزيد عدد الذكور على الإناث بالقاعة، وتتعدد جنسيات التلاميذ "الذين هم عادة من الأثرياء في تلك الفترة".

وتقول فريدة "كل ما في هذه القاعة من كراسات ومحابر ورشات ودفاتر وغيرها من أثاث يعود لفترات مختلفة، فمكتب وكرسي المعلم يعودان إلى ما قبل 1930".

ثم إن المتحف يضم مكتب الكاتب والمفكر التونسي محمود المسعدي الذي كان أول وزير للتربية إبان الاستقلال عام 1956.

ويستقبل المتحف سنويا قرابة 14500 تلميذ. وعلى الرغم من تقلص عدد الزائرين بسبب عدم استقرار الوضع بعد الثورة، فإن فريدة تؤكد أن كثيرا ممن زاروا المتحف يعودون، مشيرة إلى أن كبار السن عادة ما يتأثرون وهم بين أجنحة المتحف.

المصدر : الجزيرة