القاص برطال يهشم عمود القصة العربية
آخر تحديث: 2012/10/30 الساعة 21:28 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/15 هـ
اغلاق
خبر عاجل :مراسل الجزيرة: 6 جرحى في إطلاق نار داخل كنيسة في ناشفيل بولاية تينيسي الأميركية
آخر تحديث: 2012/10/30 الساعة 21:28 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/15 هـ

القاص برطال يهشم عمود القصة العربية

غلاف المجموعة القصصية "سمفونية الببغاء" للمغربي حسن برطال (الجزيرة)

إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يعد حسن برطال من القصاصين المغاربة الجدد الذين ساهموا في ترسيخ تقاليد جديدة لكتابة القصة، وذلك عبر التمرد على القيم الفنية التي تعرّف عليها القارئ العربي منذ ما يقارب قرنا من الزمن من خلال كتابات نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى الطاهر عبد الله وعبد المجيد بن جلون وغيرهم.

وسُمي الرهان الجديد الذي علق عليه برطال وجماعته من المتمردين على عمود القصة مثل سعيد منتسب وحميد ركاطة وجمال بوطيب "القصة القصيرة جدا"، معتبرينها تارة جنسا أدبيا جديدا، وتارة أخرى شكلا استمراريا للقصة.

وعلى الرغم من الانتقادات الشديدة التي اعترضت جماعة الشباب هاته، فقد ظل هؤلاء يكتسحون الساحة وينشرون إبداعاتهم في المواقع ودور النشر العربية، صانعين بذلك تراكما على مستوى هذا الشكل الكتابي الحديث العهد بالمغرب.

وبات حسن برطال في كتابته أشد تمردا على الشكل القصصي، فإذا كان الآخرون قد بدؤوا محافظين على عمود القصة وأنجزوا فيها مجاميع ونصوصا منشورة هنا وهناك، فإن برطال ولج مباشرة عالم القصة "المينمالية"، وأخلص لها دون غيرها، وراح يقزم حجمها أكثر مستلهما أشكالا أخرى تعتمد الاختصار مثل الحكمة والأحجية والخاطرة وقصيدة النثر والمثل والشذرة الصوفية.

برطال يصر على تجاوز تقاليد القصة التقليدية (الجزيرة)

مفارقات ساخرة
لم يتمرد القاص برطال على الشكل القصصي فحسب، بل ثار أيضا على طبيعة تناول الموضوعات التي يتخذها المتن القصصي نواة له. فهو يتحاشى البحث عن حكاية تقوم عليها قصته، مثلما يتحاشى اعتماد شخصيات وحبكة وزمان وفضاء تبنى عليها وفيها الوقائع القصصية.

وينقب برطال في الواقع عن لقطات قصيرة أو برقيات خاطفة يلتقطها من الواقع المجتمعي مثلما يلتقط المصور صورا متفرقة في مواقع متعددة لا يصل بينها واصل، مؤسسا إياها على طريقة المفارقات الساخرة التي تخلط الأحداث وتقطع حبال الاتصال المنطقي بين مكونات الحادثة السردية، فتصير الكتابة كما لو كانت هذيانا.

وما هذا التنصل من الأشكال المعروفة في الكتابة وفي تناول الموضوعات إلا شكل من أشكال التمرد على قيم الزيف والنفاق. فنراه يهزأ من الانتخابات ومما تفرزه من حكومات غير قادرة على تحقيق أحلام المجتمع، فيقول "المستشار يضع سؤاله... يتكلم عن وجه المدينة وطرقاتها بنقطها السوداء... يستفسر عن مصدر هذا المرض المعدي... الوزير ينظر إلى وجه المستشار يرى ندوبا فيقول: من هنا انتقلت العدوى... يا سيدي" كما ورد في مجموعته "سيمفونية الببغاء" ص: 34.

وفي موقع آخر من المجموعة ذاتها يسخر من التعليم ومن تراجع وظائفه في تكوين الأجيال، فيقول "فتح المعلم السبورة على قصيدة بلا شكل... وبدأنا نضع الحركات ضمة... كسرة... فتحة... لكن الكلمات ظلت ساكنة... الطعام لم يتحول إلى طعام... الحليب هو... هو... مجرد كلمة وظل الشكل هو الشكل"، المجموعة، ص: 14.

ولا ينسى الحديث عن الربيع العربي بقوله في قصة ثورة الياسمين "من عابد إلى عبد... والثورة وحدها حرة..." المجموعة، ص: 37، علما بأن أغلب الشذرات النصية تنصرف إلى الاشتغال على أحداث الربيع العربي.

وينصرف القاص أيضا إلى انتقاد الظواهر المجتمعية المتخلفة بشكل ضمني من قبيل الغلاء، والنفاق الاجتماعي، والعنف، والتغطية الصحية، والبناء العشوائي، والضمان الاجتماعي، وارتفاع أسعار فواتير الماء والكهرباء، والحركة الانتقالية لرجال التعليم، واليانصيب، ووسائل المواصلات وغيرها كثير، وكل ذلك تبعا لنزعته النقدية الساخرة التي تثير ضحك القارئ أحيانا.

في بعض القصص لا نجد شخصيات ولا فضاء ولا حبكة، كل ما هناك حدث وزمان. وعلى القارئ التعامل مع بنية هذه النصوص بوعي قرائي جديد ينزاح عن الرؤية التقليدية المتعارف عليها

كتابة مختلفة
وعلى امتداد نصوص مجموعة "سيمفونية الببغاء" لا نجد رائحة القصة القصيرة كما عرفناها لدى الرواد ممن أسسوا لهذا الجنس الأدبي عربيا، وكأن برطال يريد تأسيس نمط جديد من الكتابة على أنقاض القصة التقليدية التي ترتكز على الأحداث المتسلسلة وفق نظام منطقي مفكر فيه على أساس وجود حبكة وشخصيات تُطَورُ النص وتؤزمه، وفضاء يحتضن الأحداث والشخصيات، وزمان تقع فيه هذه الوقائع.

ففي هذه المجموعة لا وجود لتلك العناصر، وإن وجدت فمن باب المصادفة، لأن القاص يريد هدم كل ما يمت بصلة للقصة المتعارف عليها مع أنه وضع على ظهر الغلاف عبارة "قصص قصيرة جدا"، غير أنها قصص بمعايير جديدة وبنيات مختلفة تماما. فهي نصوص مينمالية تصل حد الجملة في مثل النص المعنون بـ"عيطة زعرية" الذي يقول فيه "الحي المتهالك، مات ليلة البارحة"، حيث لا نجد شخصيات ولا فضاء ولا حبكة، كل ما هناك حدث وزمان. وعلى القارئ التعامل مع بنية هذه النصوص بوعي قرائي جديد ينزاح عن الرؤية التقليدية المتعارف عليها، خاصة وأن القاص يكتب ما يكتب عن تصور نظري ووعي نقدي، ويصر على كسر الطوق.

ويستعمل القاص فضلا عن ذلك لغة جديدة غير فصيحة خالصة، فيتعمد إقحام عبارات وكلمات من الدارجة المغربية ومن اللغات الأجنبية لينزع القدسية عن اللغة، ويجعلها مجرد أداة تواصلية تستوي معها كل العلامات الموصلة للمعنى.

ويقول الناقد عبد الحق ميفراني في تقديمه لهذه المجموعة "مع سيمفونية الببغاء، أمست علاقة القاص باختياره الأجناسي أكثر تجذرا، مما يعني وعي القاص بطبيعة الجنس الإبداعي وقدرته على تشكيل أفق خاص به. وعلى عكس ما يتراكم من منجز هنا وهناك، حَوّل جزءا من القصة القصيرة جدا إلى لعبة استرخاء للبحث عن بطولات وهمية" المجموعة، ص: 3.

المصدر : الجزيرة

التعليقات