جمال المداني خلال أحد العروض التي تُقام في قاعة الفن الرابع بالعاصمة تونس (الجزيرة نت)
 
كمال الرياحي-تونس

تلقى مسرحية "خويا ليبر"؟ (أخي مشغول أم لا) اهتماما كبيرا من الجمهور التونسي الذي أقبل عليها بكثافة، وهي تحفر في بنية المجتمع التونسي وتكشف لأول مرة الإخفاقات والتشوهات التي لحقته بعيد الثورة الشعبية لتضعه أمام المرآة  دون تلميع أو تجميل, مرآة عاكسة للبشاعة المخفية خلف الواجهة الثورية.

وهذه المسرحية التي تعرض حاليا في قاعة (فضاء) الفن الرابع بالعاصمة تونس من المونودرام أو ما يعرف بالـ"وان مان شو" وبطلها المسرحي والسينمائي جمال المداني, ومخرجها منير العرقي.

وخلافا للأعمال الفنية التي سقطت في تمجيد الثورة وطغت فيها الخطابات الحماسية، يفتح "خويا ليبر" علاقة جديدة بين الفنان والحراك الثوري في تونس بملامسة القبيح من إفرازات هذا الحراك.

 "نورا" بطل المسرحية كأنه دون كيشوت الذي خرج يحارب طواحين الريح محاولا استعادة زمن الفروسية الضائع في زمن الانحطاط
دون كيشوت
في المسرحية يذكرنا "نورا" -تصغير لاسم بطلها نور الدين- بدون كيشوت الذي خرج يحارب طواحين الريح محاولا استعادة زمن الفروسية الضائع في زمن الانحطاط. فسائق التاكسي الطيب بمأزق كبير وهو يريد إعادة حقيبة أموال نسيها حريف أجنبي. بيد أن نبل السائق واجهه المجتمع والمؤسسة بالسخرية، بل يُهان ويُطرد وتُسلب منه سيارته وثيابه.

فلا أحد يصدق دون كيشوت التونسي في زمن الانفلات الأمني حيث الكل يركض لأخذ نصيبه من الثورة بينما يقف نورا الشهم يريد إرجاع الأمانة لصاحبها.

لكن العرقي والمداني في نصيهما المشترك جعلا من نورا شخصية معقدة ومركبة فتتخلى أحيانا -تحت ما سمته الشخصية بالوسواس أو الشيطان- عن نبلها إلى حين لتحلم هي الأخرى بالثروة والهجرة, وتقرر ألا تعيد الحقيبة، بل ويبحث سائق التاكسي عن مبرر ليستولي على المال بحجة أنه كان مجرد "لقية" أي مرميا.

لكنه يستعيد ضميره ويتراجع عن فكرته لتمضي المسرحية في حبكة متينة لصراع نفسي يخوضه الإنسان الخيّر ضد واقع الشر الذي يعيش فيه.

شخصية نموذج
هذا العمل كان بحثا بسيكولوجيا وسوسيولوجيا من خلال شخصية نموذجية -سائق التاكسي- الذي في وسعه أن يتصل بجميع طبقات المجتمع التونسي. وكان السؤال الذي مثل خلفية للمسرحية: ماذا يمكن أن يفعل المواطن في غياب الأمن وغياب الدولة؟
المداني: المسرحية بحثت
عن مفهوم الحرية (الجزيرة نت)

"خويا ليبر"؟ -المركّبة من العامية التونسية والفرنسية- سؤال يوجهه المواطن التونسي يوميا لسائق التاكسي ومعناها "أخي حرّ" أو "أخي مشغول أم لا"؟ خلصته المسرحية من شحنته المجازية، وأعادت له حرفيته: أخي هل أنت حر؟

سؤال شعبي إذن تحول إلى سؤال وجودي جعل سائق التاكسي يسأل أمام مأزق الإجابة: هل أنا فعلا حر؟

وما معنى أن تكون حرا ؟ سؤال مأزق أمام إغراءات الحياة: المال أو "وسخ الدنيا" كما قيل في المسرحية؟ هل يمكن أن ننجو من إغراءات المال؟

أسئلة كثيرة تُطرح في العمل أحيانا دون صيغة استفهام لكنها تنبت في ذهن المشاهد لتربكه: ماذا لو كنت مكان "نورا" ؟ اختبار النبل في مواجهة الشيطان بكل إغراءاته.. اختبار تعيشه الشعوب الثائرة اليوم: كيف يمكن أن تحافظ على نبل انتفاضاتها ولا تجعلها فريسة الانتهازية والأغراض الفردية؟

تنتهي المسرحية والممثل يقدم الحقيبة للجمهور طالبا منه أن يعيدها إلى الدولة بعد أن تجرى الانتخابات الحرة, ويطلق صيحته المدوية "أنا ليبر". هكذا يهزم نورا الشيطان وينتصر لنبل ثورته، ولكن السؤال يبقى مطروحا: كم في البلاد من "نورا" وكم من شيطان؟

مفهوم الحرية
الممثل المداني الذي قدم في الموندرام مسرحيتي"جاي من غادي" (آت من هناك) و"الوصيّة", قال للجزيرة نت إن ثورة الشعب التونسي كانت ثورة ضد نظام فاسد.

وأضاف أنهم بحثوا في المسرحية عن مفهوم الحرية عبر التساؤل عما إذا أمكن للشعب التونسي أن يتحرر فعلا من رواسب هذا الفساد الذي جعله يترك كل مبادئه جانبا عندما يتعلق الأمر بالثروة والمادة، وزرع فيه هذه الميكيافيلية المقيتة وهي الوصول للمال بأي طريقة كانت.

وتابع: نحن بهذا العمل نطرح سؤالا ملحا: هل يمكن للتونسي أن يتحرر من تاريخ من البراغماتية التي تربى عليها في النظامين السابقين ويكون حرا؟ وماهي ميكانزمات الدفاع بالنسبة إليه؟ بالأخلاق وبالدين وبالتربة الأصيلة تمكن نور الدين من الانعتاق مضحيا بكل شيء من أجل الحرية.

المصدر : الجزيرة