واحدة من لوحات يونس رحمون في معرضه بباريس (الجزيرة نت)






 










 
 



أنطوان جوكي-باريس
 
مثيرٌ معرض الفنان المغربي يونس رحمون الذي انطلق حديثا في رواق إيمان فارس الباريسي. فكما يشير إليه عنوانه "ذرّة" يسلّط الفنان الضوء على الأبعاد الرمزية والدلالات الروحية لتلك الوحدة التي يتعذّر تجزئتها وتتكوّن منها مادّة عالمنا.

ولفهم مسعى رحمون الفني في أعماله المعروضة حاليا, لا بد من العودة إلى الوراء، وتحديدا إلى طفولته حيث كان يبتكر لعبه الخاصة انطلاقا مما كان يقع تحت يده، كقطع ورق مقوّى أو حبال.

وعن هذا النشاط الذي نمّى دون شك مخيّلته، قال الفنان "كنتُ أبتكر تشييدات مجرّدة بدون أن أعلم ماذا تعني. كان الأشخاص المحيطون بي يقولون عنّي بأني مجنون، لكن والديّ أبديا احتراما ثابتا لابتكاراتي ونظرا إليها كأشياء جميلة وغامضة".

لوحة ثانية معروضة في رواق إيمان
شغف بالرسم
وحسُّ رحمون الإبداعي المبكّر هو الذي قاده أيضا، في طفولته، إلى ممارسة الرسم بشغف كبير، وإلى الالتحاق فيما بعد بكلية الفنون الجميلة في مدينة تطوان حيث وسّع أساتذته أفقه واكتشف معهم التعبير الجسدي الذي يقول عنه "لقد حرّرني ذلك وجعلني أعي جسدي داخل الفضاء, وأرى حركة أجساد الآخرين, وأعمل على التنفّس, وأركز كثيرا على المعنى وليس فقط على الشكل".

أما لقاؤه بالمدير السابق لمتحف الفن المعاصر في مدينة بوردو الفرنسية، جان لوي فرومان -في سياق تنظيم هذا الأخير معرض "الشيء المرتبِك" لطلاب السنة الأخيرة في كلية تطوان المذكورة- فشكّل الصاعق الذي دفع رحمون إلى تجاوز القطع ذات الصبغة المغربية التي كان يصنعها وإلى استثمار أشياء واقعه اليومي والاستيحاء من أشكالها.

وفي تلك الفترة أيضا، تعلّم الفنان الانطلاق من الأوحد لبلوغ الشامل، كما تعلّم عدم التفريط بجذوره من أجل الارتقاء بها بشكلٍ أفضل. ومن هذا المنطلق نفهم قوله "أنا مغربي من الريف، لكن في الوقت ذاته أشعر بأني من أي مكان"، كما نفهم تعلّقه بديانته المسلمة، وبالتالي روحانيته الكبيرة التي لا يرى فيها ثقلا أو كابحا لعمله الفني بل فضاءً خصبا يعثر في أرجائه على المفاتيح الضرورية لفهم العالم.

ومنذ خمس سنوات، التقى رحمون في ساحة مركز بومبيدو (باريس) رجلا كان يصنع بحركةٍ ماهرة ما هو أشبه بأساور بسيطة عبر ثنيه سلكا حديديا وترصيعه بحبّات خرز دائرية وملوّنة. وأكثر من مجرّد أساور، كان هذا الرجل يصنع في الواقع قطعا لا مبرّر لها سوى متعة التلاعُب بها, وتغيير شكلها الدائري إلى ما لا نهاية.

ويعود اهتمام رحمون بابتكارات هذا الرجل إلى انغماسه في الفترة ذاتها في أبحاث غايتها دراسة انحرافات الأشكال والألوان. ومن هذه الأبحاث انبثق تجهيز الفيديو الحاضر في المعرض الحالي تحت عنوان "زهرة", ونشاهد فيه انحرافات شكلية ولونية لا تحصى إنطلاقا من شكل دائري.

وبعد هذا التجهيز، انطلق رحمون في إنجاز سلسلة كُريّات لا يتجاوز قطرها بضعة سنتيمترات من مواد كالورق الذي تُغلّف فيه قطع الشوكولاتة أو أجزاء كابلات كهربائية أو عُقد من الصوف منزوعة من بطّانيات بالية.

لوحة ثالثة من إنتاج رحمون
ذرّات
وبسرعة، اتّخذت هذه الكريات طابعا كليا في نظر الفنان. وهذا ما يفسّر عنوان هذه السلسلة، "ذرّات"، أي الفارغ والممتلئ في آن واحد، التفصيل المجهري والكون اللامتناهي معا.

ولإبراز هذه "الذرّات"، قام الفنان بتصويرها طافية في مركز مكعّب أبيض وشفّاف، تماما مثل حاله داخل الغرفة التي عمل فيها خلال سبع سنوات في المنزل العائلي ورصد لها عام ٢٠٠٥ مشروعا بعنوان "غرفة", شكّله كفضاء حميم وداخلي مفتوح لمَن يريد التأمّل ولقاء ذاته والآخر.

وحين نتأمّل هذه "الذرّات" التي أنجزها رحمون في كفّ يده, وتبدو عند الوهلة الأولى بلا أهمية، تتحوّل أمامنا إلى كواكب وعوالم حقيقية تنفجر في وجهنا وتسترعي انتباهنا في أقل تفاصيلها.

ومثل قوافي قصيدة تتشابك وتنكشف ضمن انحرافات لا متناهية، تتجاوب هذه "الذرّات" مع أشكال كروية تتجاوب بدورها مع أشكال زهرية، بحيث لا تعود هذه النماذج تشكّل سوى كلّ يعكس تماسك عمل رحمون العميق وبُعده الصوفي والفلسفي.

وهذا البُعد هو الذي دفع الناقدة بيرينيس ساليو إلى استخدام جملة أفلاطون الآتية كفاتحة للنصّ الذي وضعته عن معرض الفنان "الشكل المناسب للكائن الحيّ الذي يتضمّن في ذاته جميع الكائنات الحيّة هو ذلك الذي يتضمّن في ذاته جميع الأشكال الممكنة. لهذا منح الله العالم شكلاً كرويا، فمن المركز إلى الأطراف، المسافة هي نفسها، وهذا الشكل، من بين جميع الأشكال، هو الأكمل والأكثر تشابها مع ذاته".

المصدر : الجزيرة