الباحث الفلسطيني أحمد أشقر (يسار) نفى أن يكون قد حاكم درويش (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمّان

توترت أمسية ثقافية نظمتها رابطة الكتاب الأردنيين بعمّان أول أمس بعنوان "درويش والتوراة"، عقب اتهام الباحث في الفكر الديني أحمد أشقر الشاعر الراحل محمود درويش باستخدام رموز توراتية "من أجل أن يفضي الحاضر للماضي ويطرح البلاد وطنا مشتركا للشعبين الفلسطيني واليهودي".

ورغم المقاطعات، خاطب أشقر بصفته المتحدث بالأمسية نخبة من المثقفين والمهتمين بنتاج درويش قائلا "لم أقدم محاكمة لأنني لست قاضيا، بل بحثت في الإطار المعرفي الذي أسس عليه درويش مشروعه الشعري فاكتشفت أنه سياسي ليس بغباء بل بغش وتضليل".

وعندما تعالت بعض الأصوات مستنكرة، قال أشقر القادم من الناصرة بفلسطين "لا أعترف بالرموز أو القامات.. يكفي أن أقول لكم كباحث إن درويش قارب بين السبي التوراتي والتهجير الفلسطيني المعاصر".

ولفت إلى أن قصيدة "الجدارية" -وهي أهم عمل شعري عند درويش- تتمتع بموسيقى داخلية عالية جدا، لكنه لم يحلق بسبب الرموز التي استعارها من سفر الجامعة التي تعتبر تتمة للرموز المستعارة من سفر الخروج وصموئيل الثاني وأرميا وإشعيا.

واعتبر أشقر إشارات درويش لطائر الهدهد الذي عمل وسيطا بين الملك سليمان وملكة بلقيس العربية بأنها رموز وساطة أدبية مع المثقفين الإسرائيليين، وقال إن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات انتدب درويش لباريس من أجل توسيع وفتح القنوات مع مثقفين يهود ليبراليين غزوا منظمة التحرير الفلسطينية فيما بعد تحت شعارالعقلانية والواقعية السياسية.

ونسب الباحث الفلسطيني لدرويش قوله في حديث صحفي "الشاعر في مرحلة الطوارئ سياسي بالضرورة لأنه جزء من مقاومة الاحتلال ومطالب بالوفاء للصورة التي يرسمها له القارئ، كما أنه مطالب أيضا بالتمرد على ما هو متوقع منه".

الزعبي: درويش يجمع في جداريته عددا كبيرا من النصوص المنتمية لثقافات وعصور مختلفة (الجزيرة نت)

الشاعر السياسي
وطالب بضرورة قراءة درويش كشاعر سياسي، وكشف أن الروائي الفلسطيني إميل حبيبي صاحب رواية "سعيد أبي النحس المتشائل"، ساهم  في أول صفقة سلاح للعصابات الصهيونية من تشيكسلوفاكيا.

ووفق الباحث أشقر فإن درويش خشي الإسرائيليين بعد قصيدته "رقصة الهدهد الأخيرة"، لأن اليهود يعتبرون الهدهد نجسا ومراوغا ورمزا للتدمير، واعتبر أن درويش "يتنصل من المقاومة عند اليهود ومقاوم أمام العرب" بعدما أبلغه عضو عربي في الكنيست "متوفى" أن الإسرائيليين متضايقون وربما يفكرون باغتياله، وأشار إلى أن قصيدة "لماذا تركت الحصان وحيدا" جاءت بمثابة "صلحة" حسب رأيه.

وكان عضو الهيئة الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين هشام عودة قال إن درويش قامة شعرية كبيرة ارتبط اسمه بفلسطين والمقاومة، لكنه رفض الاعتراف بوجود مقدسات، فكل شيء قابل للمساءلة وإعادة الاستنطاق حتى درويش وشاعريته.

وقال عودة الذي أدار الأمسية إن الباحث قدم قراءة سياسية لحجم تأثير التوراة في شعر درويش ولم يذهب لمساءلته فنيا، أي أدان اتكاءه على التوراة التي رأى فيها محاولة لترويض العقل الفلسطيني والعربي للقبول بالآخر اليهودي.

كما أغفل الباحث -والحديث لعودة- التأثير الواضح للقرآن الكريم في شعر درويش، ولم يذهب لتسمية هذا التأثير بالسرقة أو التناص بل توقف عند محاولة الإدانة السياسية لموقف درويش من خلال نصوصه.

طاهر رياض تحدث عن وجود حملة لتشويه صورة درويش (الجزيرة نت)

بناء فسيفسائي
من جهته قال أستاذ النقد الأدبي في جامعة اليرموك الدكتور زياد الزعبي إن درويش في قصيدته "الجدارية" اعتمد على نصوص كثيرة من التوراة وبخاصة سفر الجامعة ونشيد الإنشاد من سفر الإصحاح، وهناك مقاطع كاملة منقولة حرفيا ودون تغيير، ومنها المقطع الذي يبدأ بـ"للموت وقت.. للحرب وقت.. للصلح وقت".

وأوضح الزعبي للجزيرة نت أن هناك نصوصا توراتية يعيد درويش بناءها وتحويرها، واعتبر ذلك طريقة فنية في بناء النص الشعري على نحو فسيفسائي، لأن درويش في جداريته يجمع عددا كبيرا من النصوص المنتمية لثقافات وعصور مختلفة ويذوبها بنصه ليخلق نصا جديدا خاصا به، وهذا أمر لا يستطيع فعله إلا الشعراء الكبار الذين يمتلكون ثقافة موسوعية تمكنهم من الإبداع على هذا النحو.

ونفى الزعبي أن يكون درويش سارقا، وقال إنه يحاور النص المتعلق بالموت في سفر الجامعة الذي يتقاطع مع تجربته الخاصة "وهذا أمر طبيعي أن يبني الشاعر نصه من نصوص سابقة حتى إن كانت مقتبسة بالكامل أو محورة أو مغيرة، وهو ما تقول به النظريات النقدية الحديثة وبخاصة ما طرحته البلغارية جوليا كريستفنيا في حديثها عن التناص وتكوين النصوص".

أما الشاعر طاهر رياض فأكد أن "هناك حملة فيما يبدو لتشويه صورة درويش الشاعر والوطني عبر كثير من الأساليب، منها تحليل "مبستر" لشعره لغرض الإساءة وليس فهم النص الدرويشي".

وقال ردا على سؤال للجزيرة نت إن درويش كأي شاعر كبير تأثر بكل التراث الإنساني على اختلاف منابعه الدينية والتاريخية والميثالوجية، وهذا لا يعيبه بل يغني تجربته الشعرية التي ستظل التجربة الشعرية الأغنى في تراثنا الشعري العربي.

واعتبر رياض الذي كان مقربا من درويش، "أن النقد شيء وتأويل (تقويل) النص الشعري شيء آخر، وما يجري هو تقويل للنص الشعري للنيل من سمعة محمود درويش.. ومن العار علينا بدل أن ندرس قيمة هذا الشاعر وما أضافه عربيا وعالميا أن ننشغل بهذه الترهات".

المصدر : الجزيرة