صحف ومجلات في تونس (الجزيرة نت)
 
كمال الرياحي-تونس

تشهد تونس هذه الأيام وهي تستعد لمعرض تونس الدولي للكتاب الذي سينطلق بداية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، عودة لافتة للمجلات الفكرية والأدبية إلى الساحة الثقافية.

وقد بدت الظاهرة صحية وغريبة في نفس الوقت، إذ إنه بينما يشهد هذا النوع من المجلات انحسارا كبيرا في العالم العربي كله مما اضطر العديد من الدوريات للتحول إلى الصيغة الإلكترونية أو الاختفاء تماما من الأسواق وإعلان إفلاسها، تظهر في تونس نخبة تراهن على هذا الخط الثقافي وتعيد تلك المطبوعات إلى الساحة من جديد.

وبالنظر إلى تاريخ الدوريات، فقد عرفت الساحة الثقافية التونسية عبر تاريخها الطويل منذ عشرينيات القرن الماضي حركة للنشريات المختصة في الأدب والفكر، كانت الحضن الكبير للتيارات الأدبية والفنية التي نشأت في المقاهي والمدن العتيقة مثل جماعة تحت السور أو حركة الطليعة.

ولئن صمدت بعض المجلات مثل "الحياة الثقافية" و"قصص"، فإنها بتحكم السلطة في أدائها أو بالناشطين فيها انغلقت على نفسها وهجرها الكتاب، وفقدت بذلك التنوع وسقطت في الترويج للهزيل والمكرر، وحادت عن بعدها التنويري ودورها كحاضن للتجارب الجديدة التي خلقت في زمن ما حراكا ثقافيا كبيرا.

وبغياب تلك الدوريات والملاحق الثقافية الأسبوعية بالصحف التونسية، أصيبت الساحة الثقافية منذ  التسعينيات بالتصحر والفقر، فلم يعد هناك مكان للنقد، وضاقت الصحف بالحوارات العميقة للمفكرين والفنانين والأدباء، كل ذلك وفقا لخطة مدروسة للنظام البائد بهدف القضاء على العقل ومحاصرة الفن الذي يعي ذلك النظام جيدا أنه الوسيلة الأخطر لبث الوعي عند الشعوب.

مجلات جديدة
وقد برزت خاصة مجلة "مبدأ" -وهي مجلة ثقافية أدبية تصدر عن دار أمل للنشر وتديرها الباحثة زهرة كمون- وفق رؤية واضحة بأعداد خاصة ومواضيع معرفية مضبوطة وملفات محددة، فظهرت منها أعداد تعنى بعدد من الموضوعات منها "السيرة الذاتية" و"الموت في الأدب العربي" وغيرها.

"قضايا إستراتيجية" تبوأت مكانتها
كمجلة تعنى بالبحوث والدراسات (الجزيرة نت)

أما مجلة "الفكرية" التي تصدر من مدينة صفاقس فهي تحاول أن تعيد بمضمونها أمس المجلات الأدبية باحتضانها لمجموعة من المبدعين والباحثين التونسيين.

وتسعى مجلة أخرى وهي "أكاديميا" الصادرة عن كلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، أن تخترق فضاء الجامعة وتنفتح على الشارع الثقافي، في خطوة ثورية تقطع الانغلاق الذي كانت تعيشه الدوريات الجامعية في تونس والتي تبقى أسيرة حصون المؤسسة الجامعية.

قضايا إستراتيجية
و
من المجلات التي وجدت احتراما منذ أعدادها الأولى وكشفت عن جدية أدائها، مجلة "قضايا إستراتيجية"، وهي مجلة فكرية مستقلة تعنى بالبحوث المستقبلية والدراسات الإستراتيجية ومقالات الرأي.

وحاولت هذه الدورية التي أسسها الأستاذ عفيف البوني أن تستقطب عددا كبيرا من الكتاب والمفكرين العرب والتونسيين، مثل مسعود ضاهر وعبد الفتاح بن عمر وجميل حمداوي وبرهان غليون والطيب تيزيني وهشام جعيط وغيرهم. وتراهن المجلة على أن تكون صوت النخبة التونسية بكل ألسنتها العربي والفرنسي والإنجليزي.

وعلى هامش ندوة عن واقع الدوريات في تونس، صرح البوني للجزيرة بأن مجلته تسعى إلى رصد الحراك الفكري والإستراتيجي والثقافي في تونس والوطن العربي عبر الدراسة والتحليل والنقد والتصحيح.

وتلتزم المجلة -حسب البوني وورد ذلك أيضا في افتتاحية العدد الأول- بالحياد والنقاش في المواضيع الأكثر حساسية، مثل الهوية بلا دوافع أيدولوجية ولا سياسية، وإنما تطرح المسائل بمنطق وعلوم الثقافة والسياسة والفن والتاريخ والحضارة.

عفيف البوني أكد التزام الحياد
والبعد عن الدوافع الأيدولوجية (الجزيرة نت)

ويعتبر البوني أن "قضايا إستراتيجية" تريد من موقع الفكر الحر أن يكون بيت خبرة ومرجعا موثوقا للعقل التونسي، يعتد به من طرف صناع الأحداث وصناع القرار، أي هي بمثابة "مركز دراسات" في البحث عن الحقائق للنخب وللرأي العام في آن واحد.

وأكد أنه ليس هناك نية لأن تتحول المجلة إلى مجلة تجارية، وأنها تمثل أحد المشاريع الثقافية التي تحتاجها تونس اليوم للحوار وتبادل المعارف، وإن لم يخف ما تتعرض له المجلة من مشاكل مادية في انطلاقتها وهي في عددها السادس.

تهيّب قراء
وفي حديث مع مجموعة من الطلبة والمثقفين التونسيين لاحظت الجزيرة نت أنهم ما زالوا يتهيبون اقتناء تلك الدوريات أو المشاركة فيها، خوفا من أن تكون وراءها تيارات سياسية من ناحية، أو أن تجهض بسرعة في أعدادها الأولى بعد تعلقهم بها.

كما اشتكى بعض القراء من أسعار الدوريات المرتفعة مقارنة بالمجلات العربية التي تصل السوق مصحوبة بكتب مجانية. كما تحدث البعض عن تقصير إعلامي للتعريف بهذه الدوريات التي من المفروض أن يدعمها الإعلام من جهة والمؤسسات الوطنية والحكومية من جهة ثانية لكي تصمد في سوق كبيرة للمنافسة عربيا ودوليا.

لكن يبقى السؤال مطروحا: هل ما زال بإمكان المجلات الفكرية والأديبة أن تخلق جيلا أو تيارا في الكتابة مثلما كان يحدث خلال السبعينيات والستينيات في أوروبا والوطن العربي؟

المصدر : الجزيرة