لقطة من مسرحية "يحيى يعيش" لفاضل الجعايبي وجليلة بكار (الجزيرة نت-أرشيف)

لعل أقل ما يمكن قوله في مسرحية "يحيى يعيش" التي عرضت في إطار "أيام قرطاج المسرحية"، أنها "انتقام مسرحي" من الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، وذلك عبر تقديم كاريكاتيري هزلي لمسؤول سابق يوضع على نحو غير متوقع تحت الإقامة الجبرية، هو مسؤول منتهي الصلاحية يثير السخرية، بل وأحيانا الشفقة.

يقدم العرض -وهو نص لجليلة بكار من إخراج فاضل الجعايبي- الصورة المألوفة والنمطية للطاغية الذي يدعي معرفة كل شيء ويتصور أنه الأكثر كمالا، ليضعه من ثم في أكثر الأوضاع الإنسانية بؤسا واحتقارا، وهو أمر قد يذكر بما قاله شكسبير "قالوا لي إنني كل شيء.. إنها أكذوبة فاضحة، فأنا لست محصنا ضد القشعريرة".

ورغم انعدام أي إشارة يقدمها معدو العرض تدل على أنهم يقصدون بن علي، ومع أن الرجل أعطي اسم "يحيى يعيش"، فإن كثيرين رأوا فيه بن علي من دون تردد، وهو ما ذهبت إليه الممثلة التونسية الشابة نسرين، دون أن تفكر حتى في أن تضع الشخصية بطل العمل موضع الالتباس.

وتقول "رأيت أن العرض نجح في تجسيد بن علي.. لكن يحز في نفسي أن يقدم على هذه الصورة.. إنه نوع من الشماتة"، وتضيف "لقد تخلصنا من بن علي وانتهى الأمر، لكن إنسانيا، يحز ذلك في نفسي".

لكن يبدو أن الرسالة التي تحملها المسرحية وصلت إلى النظام أثناء حكمه، فالعرض ليس جديدا وإن طالته بعض التعديلات بعد الثورة، فقد كان أنتج قبل سنوات وعرض خارج تونس، بعدما خاض معركة صعبة مع الرقابة في الداخل إلى أن عرض تحت بصر وسمع النظام.

سامي عبد الحميد أشاد بواقعية ما يختاره الجعايبي ومعالجته بعيدا عن الواقع (الجزيرة نت)
جرأة كبيرة
ويتذكر هشام -وهو من الذين شاهدوا النسخة الجديدة من المسرحية- كيف تلقاها الجمهور حينذاك، ويقول "شاهد الحضور المسرحية وهم يتلفتون حولهم"، في إشارة إلى الجرأة البالغة للعمل وإلى خوف الجمهور من أعوان بن علي ومخابراته، ويضيف "لكنهم اليوم يضحكون من قلبهم".

وبحسب النشرة التعريفية للمهرجان، يقدم العمل "إشكاليات عدة حول شخصية يحيى يعيش الذي كان منخرطا في الواقع السياسي، وأقيل من منصبه ليكون مآله الإقامة الجبرية".

وتضيف أن "ذلك جاء بالتوازي مع إحراق مكتبته الشخصية، ولا نعرف إن كان الأمر يتعلق بحادث عابر أم أن البطل حاول الانتحار، أو بهدف التخلص من وثائق سياسية مهمة". هكذا يصاب البطل بحروق خطيرة ينقل على إثرها إلى المستشفى، ليتحول كل من حوله إلى ما يشبه الشرطة.

ويقول المسرحي التونسي الشاب محمد مجدي عبرود ردا على سؤال حول العرض "إنه فاضل الجعايبي، المخرج الذي يقدس العمل الفني ويعطيه حقه، ويلعب على الجزئيات الصغيرة". ويضيف "إنها لعبة الممثل، وسهولة التغيير من فضاء إلى فضاء".

أما المخرج العراقي سامي عبد الحميد فيقول "فاضل الجعايبي يلتقط موضوعات من الواقع، ويبتعد بمعالجته الإخراجية عن الواقع". وردا عن سؤال حول إمكانية تصنيف العرض كنبوءة لما حدث في تونس، قال "بالتأكيد.. فيه إلقاء ضوء على ما يمكن أن يحدث".

ويختم عبد الحميد "تجد شخصيات مماثلة كثيرة في العراق، كما تجد دائما حرائق من دون أسباب واضحة تهدف إلى إتلاف وثائق بغرض إخفاء حقائق".

يذكر أن لفاضل الجعايبي وجليلة بكار -وهما من رموز المسرح السياسي في تونس- تجربة مريرة مع الرقابة التونسية، خاصة في مسرحية "خمسون"، وهي الجزء الأول من ثلاثية ("يحيى يعيش" هي الجزء الثاني)، وقد قاوما بشدة منع عرضها لفترة في عهد بن علي.

المصدر : الفرنسية