لوحة للفنان تيسير شرف (الجزيرة نت)

أحمد الشريقي-الدوحة

أعوام قليلة كانت قد مرت على النكبة الفلسطينية، وفيما كانت جموع المهجرين والمقتلعين تتوزع في المنافي ومخيمات اللجوء، كان الفنان التشكيلي إسماعيل شموط واثقا حينها كغيره من عودة قريبة، فأطلق لألوانه العنان لصرخة –لوحة- عنوانها "سنعود"، مجاورا بألوانه نشيد الشاعر الفلسطيني الكبير عبد الكريم الكرمي في قصيدة حملت العنوان نفسه.

وعندما كانت النكبة تبتعد زمانيا في ذاكرة الفلسطيني ويتعرض الشعب بدوره لمعاناة لا مثيل لها، مثلت حكمة الصبر والصمود إحدى أبرز صفات الشعب الفلسطيني، فجاءت لوحة سليمان منصور مبرزة اللاجئ الفلسطيني يحمل على كتفيه القدس، كما جاءت لوحات الصبار ضمن إطار فن الطبيعة الصامتة رمزا أثيرا يشير إلى الفلسطينيين.

ومنذ تلمس الوعي الفلسطيني المؤامرة، وآثارها المحتملة على فلسطين، والتي توجت بالنكبة في العام 1948 ونكسة يونيو/حزيران 1967، لم يتخلف المبدعون التشكيليون الفلسطينيون في خوض نضالهم إلى جانب الخطاب الفلسطيني في تأكيد الهوية من جهة، والتحريض على النضال ضد المحتل، والصراع على جبهة الفعل الثقافي بوصفه إحدى أدوات المعركة ضد المغتصب الصهيوني من جهة ثانية.

لوحة " سنعود" الفنان اسماعيل شموط
(الجزيرة نت)

أيقونات الهوية
وغدت في فترة مبكرة أعمال الفنانين الفلسطينيين الرواد إسماعيل شموط، وتمام الأكحل، وعبد الحي مسلم، وسليمان منصور وغيرهم، أيقونات تشير إلى الهوية وتلعب دورها التحريضي ضمن معركة المقاومة.

وطيلة مراحل النضال الفلسطيني، كان فن الملصق السياسي إلى جانب أشعار درويش وسميح القاسم وعز الدين المناصرة وغيرهم ركيزة أساسية في أدب المقاومة.

ومع تحولات القضية كان الفن التشكيلي الفلسطيني أيضا يرقب تحولات قضيته ويعاين بعين أخرى تحولا الإبداع في العالم ويواكب مآلاته. بيد أن الركيزة الأساس كانت جوهرية قضيته وحضورها في اللوحة، حسب الباحثة والناقدة التشكيلية د.مليحة مسلماني التي تؤكد حضور القضية والنكبة في أعمال الرواد التشكيليين الفلسطينيين، لافتة إلى أن النكبة بأبعادها وانعكاساتها على الإنسان شكلت الهاجس الأول للفنان الفلسطيني في مختلف مراحل القضية.

وفي الوقت الذي تزايد فيه التنظير حول تراجع "أدب المقاومة" على مستوى الخطاب السردي والشعري فإن مسلماني ترى -في حديث أجرته معها الجزيرة نت أثناء مشاركتها في إحدى الفعاليات الثقافية بالدوحة أخيرا– أن الفن التشكيلي شأنه شأن الأدب الفلسطيني بقي متورطا في القضية، سواء استخدم منحوتة أو لوحة ومتابعا تحولات القضية الفلسطينية، التي أصبحت ظروفها أكثر تعقيدا، مشيرة إلى أن الفن التشكيلي الفلسطيني يحول اليوم النكبة إلى قضية ذاتية، دلالة على عمق الإحساس الفلسطيني وتأثره بها على مختلف الأصعدة.

لوحة الفنان سليمان منصور" الحب والسلام" (الجزيرة نت)

وعي مبكر
وإذا كانت صدمة الصهيونية ظهرت مبكرا في الخطاب الثقافي الفلسطيني، شعرا ورواية وفكرا، فإن الفنان الفلسطيني عبر عن وعيه مبكرا وفي ثلاثينيات القرن الماضي، عندما أقامت الفنانة زلفى السعدي معرضا توسطت فيه القدس المحتلة لوحات بورتريهات لصلاح الدين الأيوبي وجمال الدين الأفغاني في أعمال غلب عليها الوعي السياسي حسب ما تشير المسلماني.

وترى أن نيقولا الصايغ كان أول من استخدم فاكهة الصبار، باعتبارها رمزا للشعب الفلسطيني، والتي أصبحت بعد ذلك رمزا في لوحات رنا بشارة وعاصم أبو شقرا. وهناك فنانون كثيرون عملوا على الصبار في لوحاتهم كإشارة إلى الهوية الفلسطينية، وكرمز يدل على الصبر والصمود. وهي الفاكهة التي في خارجها شوك وفي باطنها مذاق حلو.

غير أن المرحلة الأهم التي ترصدها مسلماني عن الفن التشكيلي الفلسطيني هي مرحلة فن الثورة -استنادا إلى عبد الرحمن المزين- حيث غلبت على أعمال تلك الفترة رموز: "الكوفية"، و"الرشاش" و"الشمس" رمزا للأمل، والحصان رمزا للانطلاق.

وشكلت هذه الأعمال الثيمة الأساس للفترة (1965-1971)، فيما كانت الفترة الواقعة (1971-1982) المرحلة الأهم، إذ ترافق معها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، وامتازت بتوظيف التراث الفلسطيني، حسب ما تنقل المسلماني عن المزين الذي يشير بدوره إلى تحول ثالث هو مرحلة الجداريات، التي ترافقت مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان وارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني.

الباحثة والناقدة التشكيلية الفلسطينية د. مليحة مسلماني (الجزيرة نت)

تواصل الأجيال
وبشأن ما إذا كانت أعمال الرواد قد استمرت فيما تلاها من أجيال، ترى مسلماني أن الفنان الفلسطيني أخذ عن الأوائل، ووقع في مرحلة التقليد والاستنساخ، مستدركة أن الفنان المبدع هو من لا يشغله الإطار بقدر ما تشغله الرؤية الإبداعية وأن توظيف الفن التشكيلي الفلسطيني لم يخسر بانزياحه إلى الحداثة وما بعدها.

وتشير المسلماني -مع تحفظها على أن الفن التشكيلي قد ولج هذه المرحلة- إلى أن الأمر لا يتعلق بمقاييس الربح والخسارة، وأن القضية الفلسطينية تبدو الآن أكثر تعقيدا هما كانت عليه سابقا، وأكدت أن هاجس القضية لا يزال حاضرا.

وتستشهد بأعمال الفنانة الفلسطينية منى حاطوم التي حظيت بإشادة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، على هذا الصعيد، وكذلك من فناني الداخل "شريف واكد "-من حيفا- فكل أعماله سياسية، مشيرة إلى عمله ضمن (الفيديو أرت) الحاجز)، وفيه قام بعرض أزياء جاهزة للحواجز، تكشف أجزاء من الجسد كنقد ساخر للألم الذي يتعرض له الفلسطينيون على الحواجز، كما أن له عملا آخر وظف فيه فسيفساء "الغزالة والأسد" في قصر هشام بمدينة أريحا الفلسطينية وحولهما بفعل التكرار إلى نقطة دم.

وبشأن الفجوة بين المتلقي والفنان التشكيلي وعن مدى اتساعها، تشير المسلماني إلى أن هذا ليس خاصا باللوحة فقط، بل ينسحب على الأدب عامة، وهو ليس محصورا في العالم العربي بل ينطبق أيضا على أوروبا.

وتلفت إلى أن الفنون التشكيلية محدودة قياسا بالأدب وتحديدا الشعر في العالم العربي، فالشعر لعب دورا تاريخيا، ومن يعرف محمود درويش أضعاف أولئك الذين يعرفون إسماعيل شموط، منوهة إلى أن أعمال الأخير ليست "بوسترا" سياسيا، بل مليئة بالألوان والرموز الفلسطينية، وهو فنان كبير في ظل المدرسة الواقعية وأعماله بحاجة إلى تفكيك.

المصدر : الجزيرة