شوقي عبد الأمير تمنى لو أن التغيير الذي حصل في العراق كان بفعل هبة الربيع العربي (الجزيرة نت)
الجزيرة نت-الدوحة
حين عاد لم يكن كما هو، ولم تكن البلاد التي غادرها قبل 35 عاما كما تركها، ولو أن دجلة كف عن تدفقه، لما عرف الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير عراقه، إذ تفاجئه البلاد بأحوال خالفت ما ألفت ذاكرته، فهجس ببيت أبي تمام "لا أنت أنت ولا الديار ديار" معبرا عن "صدمة العائد" إلى بلاد تئن تحت وقع الاحتلال وجروح التمزق والشتات.

قبل أكثر من 35 عاما غادر صاحب ديوان "محاولة فاشلة للاعتداء على الموت" العراق. تقلب في العديد من المناصب في منفاه، وكتب شعرا ونثرا كثيرا، بيد أنه ظل يعاني في غربته "صقيع المنفى".

ويقول -للجزيرة نت- على هامش أمسية شعرية في الدوحة أخيرا "الغربة تصهر الشاعر ويمكن أن يذوب ويخسر نفسه في أشكال مشوهة، لكن عليه أن يعيد صياغة ذاته بأشكال عظيمة". أما الشعر فهو لديه "غربة الكائن مع العالم ومع المألوف، والموت الذي يتصيده. وعندما يغترب الشاعر يصير ارتطاما بين غربة الذات والكون".

أنا مسكون بالربيع العربي الذي لم يحدث لنا في كل ماضينا، ونحن لا نملك ذكرى للتعامل معه
ربيع فيه حزن
يثير فيه "الربيع العربي" حزنا وفرحا، كان يتمنى لو أن التغيير الذي اجتاح بلاده كان بفعل هبة ربيع من تلك التي تجتاح أوطان العرب اليوم، وفرحا بالتغيير الذي تشهده بلاد العرب.

ويقول "أنا مسكون بالربيع العربي الذي لم يحدث لنا في كل ماضينا، ونحن لا نملك ذكرى للتعامل معه، وهو ولد بشكل طوفاني ونحن نعوم في هذا الطوفان، ولو خيرت لاخترت أن يكون ربيعا قد عم العراق بدل الاحتلال، كنت أفضل الصيغة التونسية والمصرية وحتى الليبية على ما حدث في العراق، لكن نحن العراقيين نمر دائما بالأسوأ. هذا قدر العراق".

لدى عودته هجس عبد الأمير بتحولات طالت مشهد البلاد، أفرحه دجلة الذي ما زال يجري، وساءته سامراء" بما طالها من حزن. فكتب عن "سوء ما رأى"، ديوانا أسماه "محاولة فاشلة للاعتداء على الموت" وكتابا نثريا آخر أسماه "يوم في بغداد" يسجل فيه تداعيات رحلة العائد، يقارن المكان بين ذاكرتين قبل وبعد 35 عاما من "لوعة الغياب"، لكن عراقه الذي دعي يوما بلد المليون شاعر ما زال يفرخ شعراء.

وهو وإن اعتبر مقولة الراحل الفلسطيني محمود درويش "كن عراقيا لتكون شاعرا" مزحة، إلا أنه يقر أن المقولة الدرويشية لها جذور عميقة أيضا، منوها بأن درويش كان يفاجأ لدى زياراته لبغداد بهذا الكم الهائل من الشعراء.

لدى عودته، أفرحه دجلة الذي ما زال يجري، وساءته سامراء بما طالها من حزن، فكتب عن "سوء ما رأى"، ديوانا أسماه "محاولة فاشلة للاعتداء على الموت
"
حقلان إبداعيان
ما زال الشعر إذن برأي صاحب "كتاب في جريدة" لم يخل مكانه وهو حقل التأليف الأثير، لكنه يسير بالموازاة مع التشكيل، فهناك فنانون عالميون وشعراء كبار، لكن عبد الأمير يرى أنه من الصعب اليوم قياس تحولات أصابت الشعر بعد الاحتلال.

ويؤكد أن من الصعب قياس درجة التحول في العشر سنين الأخيرة، فالقياس يحتاج إلى فترة طويلة لفحص هذا الترسب، وبالنسبة له فإن التحولات السياسية تقاس بعشر وخمس سنوات، لكن الإبداعية تستغرق وقتا أطول.

بالمقابل فإن الشاعر المولود في الناصرية عام 1949 يرى أن السرد كان له حضوره في مقاربة العراق ما بعد الاحتلال عبر روايات فؤاد التكرلي وعواد علي وعلي بدر وقائمة تطول من مبدعي العراق، لافتا إلى أنه أيضا يساهم بدرجة كبيرة إلى جانب التشكيل والشعر في حيوية المشهد الثقافي العراقي.

ولا يعتقد عبد الأمير أن ثمة تحولا خاصا نوعيا في الإبداع الشعري العراقي، لكن هناك تمايزا موضوعيا في هذا العنف الدموي الذي أصاب العراق، وفي النصوص سمت الدماء التي تسيل، وترى المفخخات بين السطو، لكن هذا ليس تحولا نوعيا، هو تمايز مرتبط بالحدثية السياسية، فالتحول الشعري الذي تعنيه له علاقة بالخطاب والشكل وهذا يحتاج إلى وقت.

وينفي عبد الأمير المشرف على مشروع "كتاب في جريدة" أن يكون المشروع قد أصابه التكرار، رغم مرور خمسة عشر عاما على إطلاقه، معتبرا أنه بحاجة إلى عشرات السنين لاستنفاد مواضيع الأدب العربي الممتد من امرئ القيس وحتى اليوم.

كما يعتبر أنه "في وطن عربي فيه نجيب محفوظ. أكبر شاعر عراقي لا يبيع أكثر من 500 نسخة، بينما كتاب في جريدة يوزع 3 ملايين نسخة، فهذا يعد نجاحا "كبيرا".

المصدر : الجزيرة