نزار الفراوي-الرباط

في رواية "جيرترود" للمغربي حسن نجمي لا يتعلق الأمر باستعادة واقعية لسيرة شخصية أو أدبية للكاتبة الأميركية جيرترود ستاين، بل تراهن الرواية على بناء سيرة متخيلة، يشكل فيها الوثائقي والتاريخ الشخصي للبطلة مجرد خلفية لبناء نص سردي، يطرح أسئلة مقلقة وعميقة حول العلاقة بين الذات والآخر، من زاوية ثقافية أساسا.

يلتقط حسن نجمي واقعة زيارة جيرترود ستاين (1898-1946) لمدينة طنجة بشمال المغرب، التي كانت قبلة الأدباء والشعراء والفنانين العالميين، في بداية القرن الماضي، ليتسلل إلى العوالم المعقدة للعلاقة المفترضة بين رجل شرقي وامرأة غربية، والتي تصبح اختبارا لاحتكاك أكبر ربما، بين الشرق المقيد والغرب المهيمن.

منطلق القصة إذن علاقة عاطفية بين جيرترود السائحة الباحثة عن الشمس وعن حب "شرقي"، يضخ شيئا من العنفوان في يوميات رتابتها بإقامتها الباريسية، ومحمد المغربي البسيط، الذي لم يفكر يوما في أنه سيقطع مضيق جبل طارق في اتجاه أوروبا، لحاقا بامرأته الأميركية التي سيفضلها "طبعا" على ابنة عمه بختة، المحكوم عليها بالانتظار.

هي لعبة سردية يتسلل من خلالها الروائي إلى عوالم شخصيات يعشقها، فيستنطقها ويصنع لها حيزا في ثنايا سيرة متخيلة لشخصية حقيقية

سيصبح محمد الشخصية الوسيط بين السارد، وهو شاعر شاب من أصدقاء الراحل محمد، والسيرة-الموضوع: جيرترود كشخصية وكإرث من التصورات والعلاقات. هي حكاية تمتح مادتها من رواية موزعة فصولها على أوراق متناثرة في صندوق يحوي أسرار حياة محمد الذي يضعه قبل أن يودع الدنيا في عهدة شاعر شاب سيكون عليه أن يفي بوعد إعادة تشكيل الحكاية.

مأساة علاقة بنى عليها المغربي كل آماله قبل أن تغرب شمس يوم كئيب على الباب المغلق لجيرترود في وجه العشيق الذي فقد جاذبيته، وربما قدرته "الشرقية" على المفاجأة، فيكون عليه أن يعود خائبا ليحصي خسائره في مدينته طنجة.

الحنين والانكسار ووجع المهانة... مورد السارد، الذي سيجمع شتات قصة صديقه، كما لو كان ذلك على سبيل الانتقام من ماضي محمد، وامرأة محمد. تتحول الرواية شيئا فشيئا إلى روايتين متساندتين منفتحة إحداهما على الأخرى، إحالة أحيانا، وتماثلا أحيانا أخرى.

وهو يستجمع فصول العلاقة بين جيرترود ومحمد، يطل السارد، بما أتيح له من مسافة وفرها له انخراطه في عالم العلاقة المستحيلة بين صديقه والكاتبة الأميركية، على أعطاب وعقد.. وأيضا لذائذ علاقته مع أميركيته هو...ليديا، موظفة السفارة الأميركية بالرباط، التي كانت تساعده في العثور على وثائق تتعلق بجيرترود ستاين وسيرتها الغامضة.

فلربما فتحت استحالة العلاقة الأولى أعين الشاعر الصحفي على الحدود التي تحاصر مستقبله هو الآخر في أحضان ليديا، خصوصا حين توضع العلاقة بين الرجل والمرأة على محك التباين الثقافي أحيانا، بل تجاذب المواقف السياسية أحيانا أخرى بما يكشف الهوة السحيقة بين عالمين متباعدين، لا يعرف بعضهما بعضا بما يكفي وربما لا يريدان ذلك.

شاعرية نجمي وحاسته التشكيلية، بدتا واضحتين في بناء فضاءات روايته، التي تنفتح على انزياحات تأملية، بعمق فلسفي وجمالي
يقتفي السارد ماضي صديقه على الورق، منتقلا إلى قلب العاصمة الفرنسية التي احتضنت يوميات الحب المعطوب. هناك سيطل -بعين حسن نجمي- الشاعر بالأساس، المعروف بحساسيته التشكيلية في مجمل أعماله، على الشبكة الواسعة لعلاقة جيرترود مع الشعراء والرسامين الكبار الذين كانوا يستوطنون بداية القرن العشرين عاصمة فرنسا: الشاعر أبولينير، الرسامان ماتيس وبيكاسو، الروائي هيمنغواي...

هي لعبة سردية يتسلل من خلالها الروائي إلى عوالم شخصيات يعشقها، فيستنطقها ويصنع لها حيزا في ثنايا سيرة متخيلة لشخصية حقيقية. ها هو يجعل الرسام ماتيس متنبئا بمصير محمد وهو يحذره "أرجو ألا تملأ نفسك بوهم ما. قد تتخلى عنك الأميركية في أي لحظة...كما لو أنها تفرغ من واجب" (ص 195).

شاعرية نجمي وحاسته التشكيلية، بدتا واضحتين في بناء فضاءات روايته، التي تنفتح على انزياحات تأملية، بعمق فلسفي وجمالي، يتعقب لغة الجسد بوصفه بؤرة التلاحم العاشق بين جيرترود/محمد و ليديا/الشاعر السارد، يستوقف ظاهرة الغياب والفقد ويجترح مرارة الاغتراب والتشظي في سيرة محمد.

يذكر أن رواية "جيرترود" التي تضمن غلافها "بورتريها" أنجزه الرسام الإسباني بابلو بيكاسو للكاتبة الأميركية هي الثانية في المتن السردي لحسن نجمي بعد "الحجاب" عام 1996، وقد صدرت عن المركز الثقافي العربي ببيروت.

أما في الشعر، فقد صدرت له مجموعة دواوين من بينها "لك الإمارة أيتها الخزامى"(1982)، "سقط سهوا" (1990)، "الرياح البنية" (1993)، "أبدية صغيرة" (2002)، "على انفراد" (2006) و"أذى كالحب" (2011).

المصدر : الجزيرة