قصة حياة دي بورغو (يمين) مع صديقه عبدل حققت نجاحا سينمائيا كبيرا

حسناء حسين-الرباط

في غزوة، إحدى ضواحي مدينة الصويرة المغربية على الشاطئ الجنوبي للأطلسي، يعيش فيليب بوزو دي بورغو، الرجل الذي تجسّدت قصة حياته في الفيلم الفرنسي (Intouchables) أي "من لا تمس علاقتهم"، والذي حقق أرقاما قياسية في قاعات السينما الفرنسية.

في بيته مع زوجته المراكشية وابنتاه بالتبني يستقبلنا دي بورغو وهو على كرسيه النقّال بابتسامة وحرارة بالغين، ويطلب إلينا تحيّته المعتادة بالضغط على يده اليسرى، ويدعونا لتناول القهوة العربية معه مصحوبة بالحلويات التقليدية المغربية.

قد يبدو من المستغرب لدى الكثيرين أن يأتي ذلك من فرنسي ابن خمسين ربيعا ومن أصول أرستقراطية ومعتاد على نمط حياة بورجوازي فاخر، كتلك التي تميز العاصمة الفرنسية باريس، حيث قضى فترات طويلة من حياته، وأن يتماهى مع التقاليد المغربية والعربية بشكل عام.

هذه التقاليد التي تأثّر بها ونالت إعجابه خلال زياراته المتكرّرة لهذا البلد برفقة مساعده وصديقه الجزائري الأصل عبدل سللو، لقضاء العطلات منذ أن تعرّض للحادثة التي قلبت رأسا على عقب مسار حياته.

ملصق الفيلم الذي تعرض لحياة دي بورغو

النفس الثاني
في إحدى الزيارات، تعرّف فيليب على زوجته خديجة لينتقل منذ عام 2003 للعيش معها بصورة دائمة في الصويرة، حيث يقضي معظم أوقاته بالقراءة والكتابة التي أنتجت صدور كتابه "Le second souffle"  (النفس الثاني) الذي ألهم منتج ومخرج فيلم "Intouchables".

حقق الفيلم الذي أخرجه كل من إيريك توليدانو وأوليفييه ناكاشيه، أرقاما قياسية مسجلا حضور أكثر من 20 مليون مشاهد في فرنسا وحدها منذ بداية عرضه في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، مما جعله يحتلّ المرتبة الخامسة بين الأفلام الأكثر مشاهدة في تاريخ السينما الفرنسية. وقام بدور البطولة فيه كل من الفرنسي فرانسوا كلوزيه في دور فيليب بوزو دي بورغو والسنغالي عمر ساي في دور عبدل.

تبدأ القصة عندما يقع اختيار فيليب على عبدل، شاب يعيش في إحدى الضواحي الفرنسية، كمساعد له في ممارسة حياته اليومية بعد أن تعذّر عليه ذلك نتيجة تعرّضه في عام 1993 لحادثة سقوط من المظلة، نتج عنها شلل تام في كامل أعضاء جسمه ما عدا الرأس.

والمفارقة التي يرتكز عليها الفيلم والتي يستوحي منها عنوانه تكمن في علاقة الصداقة الحميمة التي تنشأ بين الاثنين بالرغم من الفروق الاجتماعية والثقافية بينهما والناتجة عن عملية الالتقاء بين كل من الهامشية الفيزيولوجية الناتجة عن إعاقة فيليب والهامشية الاجتماعية لعبدل حصيلة البيئة الاجتماعية التي ينحدر منها والتي تضفي على الشخصيتين هذا الطابع غير القابل للمساس.

ويعلق بوزو دي بورغو على ذلك بقوله "نحن الاثنان نعيش اللحظة الآنية، أنا لأبقى على قيد الحياة، وهو لأنه لا يعرف غير هذا النمط من الحياة".

وإضافة إلى الالتقاء بين هذين العالمين المختلفين، يجسد الفيلم أيضا، القدرة الخفية التي تملكها العلاقة الإنسانية والتي تمكن من تخطّي الصعاب والاستمرار في الحياة، وهو ما يغيب اليوم في العالم الغربي مع تزايد الفردية، التي شكلت السبب وراء انتقال فيليب للعيش في كنف مجتمع قروي لا يزال محافظا على عاداته وقيميه الأصيلة، بما فيها النخوة والشهامة والاندفاع العفوي في سبيل خدمة الآخرين.

دي بورغو في حديقة منزله بإحدى ضواحي مدينة الصويرة المغربية

الأجواء العربية
هذه الخصائص لمسها دي بورغو في أهل المنطقة والجوار، حين يقوم بجولاته الاعتيادية في المطعم وعلى الكورنيش وفي السوق القديم حيث يبادر الجميع لتحيّته وتقديم العون والمساعدة له في أي وقت.

هو إذن هذا الجو الحميمي الذي افتقده في وطنه الأم ليس لأن الناس أشرار على حد تعبيره، بل لأن الخوف من تقديم المساعدة للغير يمنعهم، ويجعلهم باردي المشاعر والأحاسيس تجاه الآخرين، لا سيما من الغرباء.

ويقول دي بورغو "نحن لا نعيش إلا من خلال نظرة الآخر... و هذا هو بالتأكيد ما يمنحنا وجودنا"، مشيرا أيضا إلى دور مناخ الصويرة الأقرب إلى الاعتدال صيفا وشتاء في اختياره للإقامة فيها، والذي يتناسب مع وضعه الصحي كما نصحه الأطباء في باريس.

لا شكّ أن هذه القيم قد لمسها من قبل دي بورغو في صديقه المقرّب عبدل وطريقة تعاطيه معه خلال تسع سنوات قضياها معا، قبل أن يختبرها ويعيشها خلال زياراتها المتكرّرة وإقامته في الصويرة.

وهو في هذا الصدد يقول في عبدل: "إنه شخص فائق الذكاء، كريم، حنون، دقيق، شهم وإنساني"، وهو ما كان يبحث عنه الأرستقراطي الفرنسي بالضبط ووجده أيضا في الأشخاص المحيطين به اليوم وفي نمط الحياة التي يعيشونه وفي الثقافة التي ينحدرون منها بشكل عام.

أما اليوم، وبعد أكثر من تسع سنوات قضاها الصديقان كل منهما في بلد ومع عائلته، إلا أن حبل التواصل بينهما لم ينقطع، حيث كان عبدل الذي يعيش في الجزائر مع زوجته المغربية وأولاده الثلاثة يقوم بزيارة صديقه من حين لآخر قبل أن يأتي الفيلم ليعيد إحياء قصّتهما من جديد.

المصدر : الجزيرة