عبد العزيز بركة ساكن

الشاعر والروائي السوداني المقيم بالنمسا طارق الطيب (الجزيرة نت)
"طارق الطيب ليس كاتباً مجهولاً" هكذا قال عنه أستاذنا الطيب صالح، طيب الله ثراه. وهذه الصرخة من عبقري الرواية العربية تعني الكثير، ولو أنها مرت على ذاكرة الثقافة السودانية كما- يقولون- مرور الكرام. قد لا يعرف كثير من السودانيين أن طارق الطيب من أبرز الكتاب النمساويين الأحياء، هو شاعر وروائي وقاص، ولد بالقاهرة عام 1959 لأبوين سودانيين.

كان والده، الذي يعمل بالجيش المصري، قد انحدر من مدينة كوستي بالنيل الأبيض، ذات المدينة التي أنجبت شيخ الشعراء عبد الله شابو والأديبة الشاعرة دكتورة إشراقة حامد والروائيين عيسى الحلو ومحمد خير عبد الله والناقدين دكتور أحمد الصادق، والأستاذ صلاح النعمان والباحث نصر الدين شُلقامي، وغيرهم ممن أثروا ويثرون الساحة الثقافية في السودان بإبداعاتهم منذ ستينيات القرن الماضي إلى اليوم.
 
كاتب مجيد، أنجز كل أعماله باللغة العربية، على الرغم من أنه يجيد لغات أخرى إجادة تامة، ومن أهم كتبه: "مدن بلا نخيل"، "بيت النخيل"، "الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء"، "ليس إثما" و"بعنا الأرض وفرحنا بالغبار".

قد يصعب على القارئ أن يتبين من خلال نصوص طارق الطيب الشعرية ملامح وطن آخر غير فيينا التي أحبها وأحبته غير الإنسان في أحواله وأهواله في عشقه ومتاهات عاطفته المرتبكة دائما

تُرجمت أعماله إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والمقدونية والأوكرانية والإيطالية، وهو يقيم بالنمسا منذ عام 1984ويعمل محاضرا في قسم: "الدراسات الإفريقية" وقسم "اللغة العربية" بجامعة فيينا  و"قسم الترجمة" في جامعة غراتس.

التمسك بالجذور
حصل الطيب على العديد من المنح والجوائز الأدبية من النمسا، منها: منحة إلياس كانيتتي الكبرى لعام منحة "ليترار ميكانا" للأدب لعام 2005-2006، إضافة إلى أربع منح سنوية كبرى خلال السنوات الثماني الماضية.

قام بقراءات أدبية في النمسا وألمانيا وسويسرا ومقدونيا والولايات المتحدة الأميركية وأوكرانيا وهولندا وأيرلندا وفرنسا والسويد وإيطاليا، ومصر وسوريا من الدول العربية.

وتلمس موضوعات روايتيه "مدن بلا نخيل 1992" و"بيت النخيل 2006" وبعض نصوص مجموعته القصصية "الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء 1993" في الغالب إشكاليات المِهجر والتباين الثقافي والاجتماعي والهُوية، بينما ينحى شعره منحى إنسانيا عاما.

يغوص الطيب في ظلمات النفس البشرية باحثا عن حزمة الضوء المخبوءة في أزقتها المعتمة، بغنائية فريدة وجمال مُدهش، وقد يصعب على القارئ أن يتبين من خلال نصوص طارق الطيب الشعرية ملامح وطن آخر غير فيينا التي أحبها وأحبته، غير الإنسان في أحواله وأهواله في عشقه ومتاهات عاطفته المرتبكة دائماً.

ولا أدري لماذا ظل الروائي والقاص والشاعر والمسرحي طارق الطيب خارج ذاكرة الوطن، ولو أنه أصدر أول أعماله قبل أكثر من عشرين عاما، لم تحتف به مؤسسة وطنية، لم يدع لقراءة شعرية أو أدبية، لم تقدم دراسة جادة بأعماله في المراكز الثقافية التي تهتم بالرواية مثل مركز عبد الكريم مرغني في الخرطوم.

لم يدع  الرجل لحضور أي من مؤتمرات اتحاد الكتاب السودانيين ولو كضيف شرف، لم تشمل أي من بيبلوغرافيا الأدب السوداني أحد أعماله الجميلة، بينما ظل الرجل وفيا لأصوله السودانية يذكر ذلك في سيرته الذاتية الملحقة بإصداراته، وفي المحافل الدولية، وفي سردياته صراحة، وكثيرا ما يستحضر البيئة السودانية في رواياته وقصصه القصيرة.

ظل طارق الطيب وفيا لأصوله السودانية يذكر ذلك في سيرته الذاتية الملحقة بإصداراته، وفي المحافل الدولية، وفي سردياته صراحة

تقصير إعلامي
بالإضافة إلى ذلك يقوم بتدريس نصوص كثير من الكتاب السودانيين لتلامذته بالجامعات الأميركية والأوروبية. مع وجوده في أطروحات أكاديمية حصل طلابها على درجات علمية عليا عن أعماله وحده، سواء في النمسا أو فرنسا، إلى جانب العديد من الدراسات النقدية الأوروبية الجادة عن أدبه. 
 
ولا نرغب في أن نحمل الإعلام الوطني وزر كل إخفاق، والدولة التي من ضمن مسؤولياتها التعريف بمبدعيها والاحتفاء بهم، مشغولة بالحروب الداخلية منذ الاستقلال 1956، في محاولة لحسم قضايا الهُوية وإشكالاتها المستعصية في ميادين القتال ليس غير، وبذلك لا يُعوَّل عليها كثيراً، لأنه لا يُرجى منها شيء في الوقت الحالي.

المثقفون تائهون في أودية الرزق اليومي والنضال من أجل البقاء أحياء لا أكثر حيث إنهم مطحونون، مقهورون ومهدرون.

 مؤسسات المجتمع المدني، مثل اتحاد الكتاب السودانيين، اتحاد الأدباء السودانيين، نادي القصة السوداني، مركز مالك الثقافي، مركز عبد الكريم ميرغني والأخير رائد في العمل الأدبي، كان بإمكانهم فعل الكثير وتقديم كتاب كبار مثل طارق الطيب وجمال محجوب وليلى أبو العلا  للقارئ والمثقف السوداني.

يمكن أن ينظموا احتفاليات خاصة بهم أو تنظيم زيارات وإقامة ندوات ليس في الخرطوم فحسب ولكن في مدن إشعاع  ثقافي مثل ود مدني وكسلا والأبيض أو حتى بدراستهم بصورة جادة ورصينة. التقيتُ به في ربيع العام الماضي 2011 بفيينا، كان هادئاً، وسيماً، كريماً وطيباً كعادته.
__________
كاتب سوداني

المصدر : الجزيرة