لقطة من أحد العروض المسرحية بالجامعة اللبنانية الأميركية  (الجزيرة نت)

نقولا طعمة-بيروت

منذ انطلاقته أواسط القرن التاسع عشر، وعلى مدى ما يزيد على مائة وخمسين عاما، حقق المسرح اللبناني إنجازات كبيرة، حيث تعددت التجارب والمدارس المسرحية، قبل أن يتجه إلى التراجع الذي يعزوه الكثير من النقاد إلى الحروب والتجاذبات الداخلية وطغيان ما سماه أحد المختصين بثقافة التسطيح.

ويعتبر النقاد المسرحيون أن تجربة مارون النقاش (1817- 1855) في أول مسرحياته "البخيل" التي عرضت في بيروت سنة ١٨٤٨، كانت منطلقا للمسرح بلبنان. وتعددت التجارب بعد ذلك لكن أغلبها لم تكن موثقة، كما اقتصرت على المدارس الإرسالية وعلى المناسبات الدينية والاجتماعية.

ورغم قيمة تجربة النقاش والمحاولات التي تلتها، يجمع النقاد والمتابعون على أن المسرح القائم على أسس درامية صحيحة لم يبدأ في لبنان إلا عندما أنشئ المسرح القومي اللبناني في ستينيات القرن الماضي.

نزيه خاطر: المسرح اللبناني تطور في الستينيات مترافقا مع النمو الاقتصادي والاجتماعي
(الجزيرة نت) 

تجارب متنوعة
ومع تفاعل الثقافة المحلية مع الثقافة الغربية الوافدة، تطورت التجربة المسرحية اللبنانية. ويرى نزيه خاطر -وهو أحد أبرز المهتمين بالمسرح منذ بداياته- أن "المسرح ظهر في لبنان بداية الستينيات وتطور بشدة بعد أن شهدت الحياة الثقافية تطورا واضحا بالتزامن مع النمو الاقتصادي والاجتماعي في تلك الفترة".

وفي تلك الأثناء، عاد المسرحي منير أبو دبس من فرنسا، والتقى أنطوان ملتقى، وأسسا عام ١٩60 "معهد التمثيل الحديث". ويرى أستاذ الدراسات العليا للسينوغرافيا والفنون السمعية غازي قهوجي أن "منير أبو دبس شكل حجر الأساس لتطور المسرح اللبناني".

وشهدت تلك الفترة أيضا تأسيس ثلاثة مسارح في لبنان هي مسرح بيروت في عين المريسة و"مسرح شوشو" على ساحة البرج و"مسرح الأشرفية" مما شكل انطلاقة ودفعا للمسرح الحديث.

وتعددت المسارح بعد ذلك بظهور مسرح إندونيسيا، والمارتينيز، والإليزيه، على يد روميو لحود، ثم "مسرح المدينة" على يد نضال الأشقر و"البيكاديللي" الذي اعتمده الرحابنة مقرا لعروضهم المسرحية الغنائية، و"المسرح الكبير"على طريقة الأوبرا الفرنسية.

ومن خلال تجارب الستينيات الطليعية، تطورت الحركة المسرحية باتجاهات ومدارس متنوعة، وفي مجال المسرح الغنائي اشتهر الرحابنة وكذلك روميو لحود.

ويقول الدكتور غازي قهوجي للجزيرة نت إن "المسارح تعددت بناء على تقبل الجمهور اللبناني لهذا النوع من الفن، كما بدأت الفرق المسرحية تتكاثر، معتمدة نصوصا محلية وأخرى مترجمة، وارتكز هذا الغنى المسرحي على الصيغة التعددية للبنان".

غازي قهوجي: التسطيح وتراجع الثقافة الجادة أثرا على تطور المسرح اللبناني (الجزيرة نت)

الحرب والتراجع
نتيجة لظروف لبنان الخاصة لم تتواصل هذه الطفرة في نمو المسرح . ومع اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٧٥، بدأ بالتراجع، لكن الضربة الكبرى التي  أصابته وفق نزيه خاطر، "كانت الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام ١٩٨٢، حيث دمرت غالبية المسارح التي بلغت نحو العشرين، وأهملت لاحقا".

وراح المسرح خلال فترة الثمانينات يصارع للحفاظ على ما بقي له من مكانة في ظل تقلبات سياسية واجتماعية. ويقول المسرحي المخضرم رفيق علي أحمد للجزيرة نت إن "المسرح اللبناني بدأ بالتراجع منذ بداية التسعينيات مع ( مرحلة اتفاق الطائف) حيث بدأ الاهتمام يكبر بأمور أخرى، اقتصادية وإنماء وإعمار من دون الاهتمام بالوعي البشري”.

كما يجمع النقاد على أن من أهم العناصر التي أعاقت وتعيق تطور المسرح هي التركيبة اللبنانية المغلفة بالصيغة الطائفية الحادة.

ويؤكد روميو لحود -وهو أحد رموز المسرح الغنائي-  للجزيرة نت أن "غالبية المسارح أقفلت، وتعطل كل يتعلق بصناعة المسرح، بزيادة الضغوط الحياتية على الطبقة الوسطى، وهي جمهور المسرح، وهبوط أهمية المنتج الثقافي وزيادة حدة  التجاذبات الطائفية". لكن لحود يرى أملا في التجارب المسرحية المتنامية في المدارس والجامعات.

من جهته يلاحظ غازي قهوجي أن "التلفزيون أثر كثيرا على ارتياد المسرح، وتراجع الثقافة الجادة، والتسطيح الملاحظ في جميع المستويات، كما أنه لم تعد تتوافر نصوص حيث لم يبق موضوع لم يطرق". ويضيف نزيه خاطر على ذلك أن "جمهور المسرح انتهى، ولم يتشكل جمهور مسرحي جديد”. 

أما الفنان جورج خباز (مسرحي حديث) فيرى في حديث للجزيرة نت  أن "الحرب أوقفت نهضة المسرح اللبناني وهي في أوجها، واقتصر العمل المسرحي بعد ذلك على تجارب خاصة ومناطقية، فكل منطقة مغلقة على نفسها، ولكل منها مسرحه".

المصدر : الجزيرة