جامع الزيتونة من أوائل الجوامع في العالم (الجزيرة نت)

محمد المختار الخليل-تونس

لا تخلو أذنك من سماع لفظ الزيتونة مفردا أو مسندا وأنت في تونس، فهناك جامع الزيتونة وجامعتها وإذاعة الزيتونة وبنكها، وحركة الزيتونة بل وقافلتها لكسر الحصار عن غزة وهلم جرا.

سائق التاكسي يدير المذياع فتصدع إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم، يستمتع بمتابعة البرنامج، لكن طغيان كل ما هو سياسي في تونس هذه الأيام لا ينسيه أن يتحفك بأن إذاعة الزيتونة كبنكها الإسلامي، أنشأهما صهر الرئيس التونسي المخلوع استغلالا للاسم الإسلامي الرمز في تونس.

والرجل الجالس في المقهى والذي تبدو على حديثه سيما الأدب لا ينسى أن يذكر محدثيه أن صاحب البيت الأشهر في الثورات العربية أبا القاسم الشابي هو خريج جامع الزيتونة:
إذا الشعب يوما أراد الحياة    *   فلا بد أن يستجيب القدر

الجامع الأعظم
يفاخر التونسيون بجامع الزيتونة باعتباره من أوائل الجوامع في العالم، ومن بواكيرها في القارة الأفريقية، وهو ثاني جامع يشيد في البلاد نهاية العقد الهجري الثامن بعد جامع القيروان المشهور.

جامع الزيتونة استطاع أن يحتفظ باسمه منذ تأسيسه (الجزيرة نت)
وسواء أكان الجامع بُني قرب زيتونة كانت متعبد راهب أو لكثرة الزيتون في المنطقة، فقد احتفظ الجامع بهذا الاسم الذي لم تستطع عاديات الزمن، ولا تعدد الدول التي حكمته واعتنت به، إلغاءه ولا استبداله.

رغم تعدد الجوامع تواجهك منارة الزيتونة عالية (44 مترا) أول ما تلج الحي من جهة ميدانه العام، فالجامع هو نقطة المركز في القصبة الحي التاريخي الأشهر، ومقر دوائر الحكم في تونس العاصمة وسرتها، وهو مسجد فسيح متعدد الأدوار تعليما وثقافة وخدمة للمجتمع، تبعا لما هو معروف عن الجوامع في تاريخ المسلمين، ومن أشهر ذلك وأكثره تميزا مكتبة عامرة تأسست عام 1393 ميلادية ونهبها الإسبان عام 1573.

من الكرسي إلى الجامعة
وللتعليم قصة في جامع الزيتونة، فالجامع الأعظم –كما يحب التونسيون وصفه- بدأ فيه التعليم مبكرا عام 120 هجرية وارتبط بذكره علماء مبرزون درسوا فيه أو تخرجوا فيه كعلي بن زياد وأسد بن الفرات والإمام سحنون ومحمد بن عرفة وعبد الرحمن بن خلدون مبدع علم الاجتماع.

كما تخرّج فيه أئمة تصوف متبوعون كأبي الحسن الشاذلي وأحمد التجاني، ومصلحون ومجددون تونسيون من أمثال محمد الطاهر بن عاشور وعبد العزيز الثعالبي والطاهر الحداد.

ويفاخر التونسيون هنا بأثرهم على العلم والعلماء مشرقا ومغربا، فهذا شيخ الأزهر (سابقا) محمد الخضر حسين خريج الزيتونة، وذلك عبد الحميد بن باديس وهواري بومدين وغيرهما.

جانب من حي القصبة (الجزيرة نت)
وقد بدأ تعليم الزيتونة بكرسي يجلس عليه مدرس على عادة المساجد القديمة، إلى أن تأسست فيه جامعة كانت منتصف القرن الثامن الهجري –كما يقول ابن خلدون- لها نظمها ومناهجها وتقاليدها وإجازاتها المشهودة.

ويحل الاستعمار الفرنسي بتونس فيجد مقاومة عنيفة من هذه المؤسسة، تحمي العربية والتعليم الإسلامي، قوامها عشرون ألف طالب عام 1881 يوازيها اليوم أقل من ألفي طالب طبقا للإحصاءات الرسمية، لتظهر أن الدولة الوطنية نجحت فيما أراده الفرنسيون من تحجيم التعليم العربي والإسلامي، وهو ما بدأ أيام نظام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي أغلق المعاهد الزيتونية مطلع ستينيات القرن المنصرم، وحوّل الجامعة إلى كلية واحدة في الجامعة التونسية الرسمية.

ما بعد الثورة
بعد ثورة 14 يناير/ كانون الثاني 2011 تغيرت أمور كثيرة في تونس، فقد عادت لجامع الزيتونة -على غرار بقية الجوامع- خطبة الجمعة حرة، كما غدا موئلا لاجتماعات الأئمة وتنسيقاتهم، وبرز على الألسنة كثيرا وسطية الزيتونة وتسامح مدرستها.

لا ينسى أحد المتظرفين أن يقول إن الدولة التي صادرت بنك الزيتونة الإسلامي من صهر بن علي تحتاج أن تصادر الزيتونة كلها لتكون مصباح الدولة والمجتمع، فهي من تونس.

المصدر : الجزيرة