الاحتلال الأميركي في الرواية العراقية
آخر تحديث: 2012/1/20 الساعة 13:17 (مكة المكرمة) الموافق 1433/2/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/1/20 الساعة 13:17 (مكة المكرمة) الموافق 1433/2/26 هـ

الاحتلال الأميركي في الرواية العراقية

 "حليب المارينز" تتناول أثر الاحتلال على المجتمع العراقي (الجزيرة نت)

وارد بدر السالم

بالرغم من حداثة الأدب العراقي في ميدان أدب الحرب والمقاومة فإنه تمكن من أن يؤطر تجربته بهذه الثيمة عبر سنوات الحروب التي مرت به فكان أدب الحرب علامة مهمة في الثقافة العراقية لم تدرس جيدا، في حين تصاعدت وتائر المقاومة الثقافية في ظل الاحتلال الأميركي للعراق عبر سنوات من الاحتكاك المباشر به كبديل مقترح للمقاومة العسكرية وتجنب العنف المسلح.

وقد حاول هذا النمط من الأدب فضح ما يجري في الواقع العراقي من تدمير وتحزب طائش وتخريب طال كل شيء، بما في ذلك تخريب الإنسان وإخضاعه إلى مستوى من اليأس لا قبل للعراقيين به على مر تاريخهم.

فهل المقاومة الثقافية بديل للمقاومة العسكرية في ظروف الاحتلال الأجنبي؟
سؤال ضمني من مجموعة أسئلة يمكن أن  تطرح في ظرف معقد كهذا الظرف الطارئ في حياة الشعوب.

"حارس التبغ" تنويع فني بطريقة البحث الصحفي (الجزيرة نت)

استفهامات كثيرة
ولا شك أن الاحتلال الأميركي للعراق وما تبعه من تداعيات كثيرة أوجد فيضا من الإستفهامات أمام محنة الثقافة العراقية، في كيفية دحر الاحتلال الأجنبي عبر المقاومة المتحضرة، التي تستبعد العنف وتلجأ إلى وسيلة فنية معبّرة، من شأنها أن ترتقي بهذا البُعد الحضاري وهو يستلهم من مقاومة الشعب بشتى صنوفها معانيه الفنية والإبداعية. بل كيف تسمو على واقع الحال السياسي المرتبك والمتشابك في أجنداته السياسية من دون أن تقع فريسة الأيديولوجيا ذات الأفق الواحد.

في هذه الموضوعات المعقدة نسبيا، يمكن إحصاء عدد كبير من الروايات التي تناولت ثيمة الاحتلال الأميركي وتداعياته المختلفة على الواقع. وتمركزت موضوعاتها حول قضايا اللحظة الاجتماعية والسياسية والعسكرية عبر أكثر من مستوى فني، عالجت فيه مشكلة الاحتلال وتداعياته الجوهرية التي عصفت في بنية المجتمع بمساحاته العامة.

ورغم الكثير من الملاحظات على الصعيد الفني، هناك روايات اجتهدت أن تنبني على محور واحد هو الساحة العراقية بوجود قوات أميركية محتلة، كروايات "حارس التبغ" لعلي بدر و"حليب المارينز" لعواد علي و"بنات يعقوب" لمحمود سعيد و"الحفيدة الأميركية" لأنعام كجه جي و"أموات بغداد" لجمال حسين علي و"مقامة الكيروسين" لطه حامد الشبيب.

والملاحظ أن معظم هذه الروايات كُتبت بعين المراقب الخارجي مع أن أحداثها تدور في بغداد بعد سنة 2003، أي أن الرائي هو راء خارجي قدم إلى العراق بعد الاحتلال واستبصر الحال الجديدة التي وُصفت بالانهيار المطل، فيما كانت رواية "مقامة الكيروسين" تتجه إلى الداخل وتحاكم المرحلة السابقة عبر قضية الدجيل المعروفة.

 "أموات بغداد" واقع العراق ما بعد الاحتلال (الجزيرة نت)

نصوص جريئة
قدمت رواية "أموات بغداد" رؤية ملحمية لواقع ما بعد الاحتلال عبر مشرحة الطب العدلي في العاصمة استثمر فيها الروائي كل معطيات العلوم الحديثة، كالطب والتشريح والجينوم ليحيط بفاجعة الاحتلال عبر حبكة روائية مزجت بين الواقع والخيال والمعرفة العلمية والأدبية، في أجرأ نص روائي عراقي عن الاحتلال الأميركي كُتب حتى الآن.

ولا شك أن جمال حسين علي استثمر وجوده في بغداد كمراسل صحفي قادم من موسكو، واقترب من الفجيعة العراقية بعد غربة دامت عشرين عاما. وهي الغربة التي أدت إلى انقطاعه عن النشر طيلة تلك الأعوام، لكنه يعود بجدارة روائي محترف في "أموات بغداد" برمزية عالية يوحيها العنوان بوصفه عتبة النص ومدخله.

أما "حارس التبغ"، فهي تنويع فني بطريقة البحث الصحفي عن حقائق موسيقار عراقي اختطف ووجدت جثته مرمية قرب نهر دجلة عام 2006، لتكشف لاحقا عمق التغريب لهذه الشخصية الفريدة في تحولاتها السوداوية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حينما تقمصت ثلاثة أسماء وثلاث شخصيات، وهي التحولات التي وردت في ديوان "دكان التبغ" للشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا.

واعتمد الروائي ذلك مفتاحاً لحل لغز الموسيقار القتيل في لعبة دائرية امتدت من المنطقة الخضراء إلى طهران ودمشق، وهي لعبة الشخصيات والأقنعة، ولعبة السياسة وأقدارها المتلاحقة في كل مكان. ولو لم يكن علي بدر قادرا على التحكم بضبط إيقاع الرواية لأنفلتت منه الكثير من معايير الفن الروائي.

ربما تكون رواية "الحفيدة الأميركية" من أكثر الروايات العراقية التي لامست الواقع بتحولاته الكبيرة، حينما قدمت تراجيديا مركبة وبشخصيات أكثر تركيبا

الحفيدة الأميركية
ولا  يختلف الروائي عواد علي في "حليب المارينز" عن غيره من الروائيين في تقديم صورة الرائي الخارجي، وهو يدخل العاصمة المحتلة قادما من كندا ليدفع فدية مالية كبيرة للذين خطفوا شقيقه. ومن هذا الحدث تتسع الرواية لترى المشهد الجديد من زوايا نظر مختلفة، فالشخصية لمثقف مهاجرعاش حربين ووقع أسيرا ثم لجأ إلى كندا.

ومن رؤية المثقف العائد قسرا تنفتح الرواية وتتفحص تداعيات الاحتلال وما تركه من أذى نفسي في المجتمع العراقي، انعكس في سلوكيات الكثيرين الذين تحولوا إلى أطياف تتناهبها شعارات المرحلة الجديدة في تشابك وجهات النظر، عبر سرد متعاقب لشخصيات الرواية وتعاقب أصواتها الموزعة بين العراق وكندا.

ربما تكون رواية "الحفيدة الأميركية" من أكثر الروايات العراقية التي لامست الواقع بتحولاته الكبيرة، حينما قدمت تراجيديا مركبة وبشخصيات أكثر تركيبا، مستثمرة "النوع" المستخلص من واقع مشتبك بمعالمه الجديدة المتولدة جراء الاحتلال.

وإذ تنجح الروائية كجه جي في رسم ملامح هذه الشخصية وتركيبتها النفسية، تنجح الرواية في طرح أكبر تراجيديا سوداء يعيشها العراق حتى الآن، كما تنجح الرواية في أن تقيم علاقة قهرية بين زينة وأخيها المفترض الذي لم تره من قبل في صراع نفسي غاية في الدقة وتسلط الضوء على أكثر الجوانب قتامة في المجتمع المحتل.
______________
كاتب عراقي

المصدر : الجزيرة

التعليقات