فيصل دراج: الرواية العربية تناولت بغزارة مسألة الاستبداد السياسي والتسلط

أحمد الشريقي-الدوحة
في حياته سيرتان، إحداهما "سيرة الفلسطيني الذي عاش فلسطينيا وعامله الآخرون، سلبا أم إيجابا، على أنه فلسطيني"، والأخرى سيرة ثقافية لمفكر وناقد تعلم على معلمين بسطاء وأساتذة جامعيين لامعين.

بيد أن سيرتي المفكر والناقد الفلسطيني فيصل دراج الحائز أخيرا على جائزة سلطان العويس للدراسات النقديّة في دورتها الأخيرة لم تريا النور بعد وهو الذي عاين في كتبه الكثيرة سير مبدعين وروائيين كثر، وربما ما يداعبه في وقت تنهال فيه السير الذاتية لمبدعين ومثقفين فلسطينيين هي "تلك السيرة التي تبتدئ بفرح كبير وأحلام عارمة، وتنتهي إلى شعور مرتبك أقرب إلى الشجن والحسرة".

وفي سيرته الثقافية اشتبك دراج منذ اختط لنفسه طريق النقد الثقافي مع النصوص الإبداعية العربية وهي تعاين صدمة علاقتها مع الآخر، باحثا في تقنياتها الجمالية والمعرفية عن هواجس مبدعيها وقلقهم الذاتي والموضوعي.

الجزيرة نت التقت الناقد والمفكر الفلسطيني بمناسبة فوزه بجائزة سلطان العويس مؤخرا، وكان معه هذا الحوار.

عادل مع المبدعين
ما الذي تعنيه الجائزة لمفكر وناقد أمضى زمنا طويلا يلاحق عتمات النص الإبداعي ويكشف عن معارفه الجمالية، ويعاين ما انطوت عليه أيضا من أبعاد معرفية وثقافية.. هل تأخرت الجائزة برأيك؟

من المفترض أن يدفعني فوزي بجائزة سلطان العويس إلى كلمة الرضا، أو الرضا والغبطة، ذلك أن في الفوز ما يجعل الإنسان متصالحا مع ذاته. غير أنني أشعر أن هذا يحتاج أيضا إلى كلمة العدل.

لا فلسطين من دون ذاكرة، ولا ضرورة لمثقف فلسطيني يتحرر من الذاكرة ومن اسم فلسطين كي يصبح أكثر حرية وشهرة
ففي الجائزة ما يشعر الإنسان بأنه كان عادلا مع نفسه، فتعلم وقرأ وكتب وحاول أن يصبح ناقدا، وفيها ما يخبره بأن هناك "آخرين" عاملوه بعدالة أيضا، وفيها أيضا ما يبرهن على أنه ناقد تعامل مع نصوص المبدعين بمقدار من العدل لا خداع فيه.

تبدو كلمة العدل والحال هذه محصلة للجهد المبذول في قراءة المبدعين وتعرّف نصوصهم والحوار معها والاعتراف بها. والعدل أن ينظر "الناقد" إلى المسافة الفكرية التي قطعها وأن يشعر بالرضا، والعدل أن يبرهن الإنسان أنه كان عادلا مع العادلين من المبدعين.

ومن السهل أن يختزل الناقد الحديث إلى الجماليات المختلفة، وأن يستعرض لغة تقنية منمقة عن النص والتناص وإنطاق المكبوت، غير أن كل هذا لا معنى له بمعزل عن أخلاق المحبة، التي تلزم الناقد أن يحب عمله، وأن يحب النصوص التي علمته، وأن يحب هؤلاء النقاد الكبار الذين تعلم منهم ما هو إنساني، بالمعنى العميم الذي يتجاوز لغة الاختصاص والمختصين.

أما الجائزة فلم تتأخر لسببين: فأنا أولا لم أتقدم إليها إلا بعد أن أقنعني أصدقائي أن في كتاباتي ما يفيد الآخرين، وأن فيها شيئا من الجهد يبرّر الترشيح. الأمر الثاني أنني لم أتقدم إلى الجائزة إلا في دورتها الأخيرة، أي أن المحكمين العادلين وفروا علي الانتظار والشعور بما أريد أن أشعر به.

إخلاص الأحياء للأموات
في كتابك "ذاكرة المغلوبين" عاينت صدمة المثقف الفلسطيني والجيل الأول وهو يعاين وعيه بالصهيونية، بعد ذلك الجيل أي آفاق جديدة ارتادها المبدع الفلسطيني برأيك؟

قصدت من كتابي "ذاكرة المغلوبين" إلى أهداف ثلاثة: أن أنتمي إلى نسق من المثقفين الفلسطينيين، الذين وحدوا بين إبداعهم وقضيتهم الوطنية، ذلك أن كاتبا فلسطينيا لا يجعل من الوجع الفلسطيني مركزا لكتاباته هو كاتب دون أن يكون فلسطينيا بالضرورة، لأن في أصداء فلسطين الراحلة والعائدة ما يثير في الروح أصداء الوجع الإنساني كلما، وهو ما عبر عنه محمود درويش في قصيدته الهندي الأخير.

ثانيا أن في فعل الانتماء، الذي برهنت عنه، ما يقنعني، وما يؤكد قناعة الفلسطينيين جميعا، من جديد، بأن الثقافة الفلسطينية عملية متوالدة، يستمر فيها الأجداد في الأحفاد، وأن مآل فلسطين من مآل المنتسبين إليها.

أما الأمر الثالث، وهو فلسفي وإنساني ووطني معا، فيتمثل في إخلاص الأحياء للأموات، فقد أخلص غسان كنفاني لفلاحي ثورة 1936 في روايته "العاشق"، وأخلص إميل حبيبي إلى دياره الأولى في كتابه "إخطية".... فعلى كل فلسطيني حي أن يتذكر أن فلسطينيا آخر ساعده على الوقوف، وأن الأموات ما زالوا واقفين بيننا، وأن من لا ذاكرة له لا تاريخ له.

حنين إلى القديم
في سياق متصل بالذاكرة كثرت في الآونة الأخيرة كتب السيرة الذاتية لمثقفين فلسطينيين، أي دلالات يحملها ذلك الاتجاه برأيك؟

يمس هذا السؤال العلاقة بين المثقف الفلسطيني والذاكرة، وهو ليس سهل الإجابة. إذا كان المثقف الفلسطيني هو الذي ينتمي، نظرا وسلوكا، إلى القضية الفلسطينية، فإن على هذا المثقف أن تكون له ذاكرة فلسطينية، وأن ينقلها إلى نص مكتوب، يضيف إلى الذاكرة الجماعية بعدا جديدا.

والسؤال هو: هل هناك ذاكرة فلسطينية، بصيغة المفرد، أم أن هناك ذواكر فلسطينية، أي ذاكرة بصيغة الجمع؟ فواقع الأمر أن ذاكرة فلسطين ذاكرة متعددة الطبقات ذات أزمنة مختلفة، فعلى المثقف الفلسطيني أن يتذكر ما لا يمكنه تذكره بسب "ثراء وتنوع" المآسي الفلسطينية، الممتدة من قرية أزيلت عن وجه الأرض إلى مخيم أحرق سكانه وصولا إلى فلسطيني أهلكه التعب في بلد غريبة.

الذاكرة إبداع وأخلاق وحزن يمتد بينهما. أنجب هذا الوضع المرهق أكثر الأعمال الفلسطينية إبداعا، بدءا من إبراهيم طوقان إلى حسين البرغوثي، ومن خليل السكاكيني إلى أنيس صايغ. لا فلسطين من دون ذاكرة ، ولا ضرورة لمثقف فلسطيني يتحرر من الذاكرة ومن اسم فلسطين، كي يصبح أكثر "حرية وشهرة".

إن تكاثر السير الذاتية الأخيرة يفصح عن الحنين إلى قديم ذهب، لكنه يسعى أولا إلى الحفاظ على التجارب الفلسطينية المختلفة في شكل مكتوب، يصل إلى أيدي جميع الفلسطينيين.

إذا كان الفكر العربي ما زال على تخوم سؤال شكيب أرسلان: لماذا تقدموا وتأخرنا، ماذا عن الرواية على ذلك الصعيد، وأي فتوحات قدمتها لفك لغز العلاقة مع الآخر؟

ذاكرة فلسطين ذاكرة متعددة الطبقات ذات أزمنة مختلفة، فعلى المثقف الفلسطيني أن يتذكر ما لا يمكنه تذكرّه بسب "ثراء وتنوّع" المآسي الفلسطينية

لماذا تقدّم الغرب ولم نتقدم؟ أجابت الرواية العربية عن هذا السؤال بأشكال ثلاثة": الربط بين الوجود الاستعماري ومصادرة إمكانيات المجتمعات العربية. وهو ما سطره محفوظ في "ثلاثيته" الشهيرة، وعبد الرحمن منيف في "مدن الملح"، والجزائري محمد ديب في "الدار الكبيرة"، وما توقف عنده اللبناني توفيق يوسف عواد في "الرغيف".

كان في هذه الروايات ما يقول إن الاستقلال الوطني مدخل إلى تقدم اجتماعي أكيد. بيد أن الاستقلال المفترض أعاد إنتاج المقاصد الاستعمارية، وبشكل أعنف وأشد، حين أستقر في دائرة راكدة متكاملة الأطراف، حيث الاستبداد ضرورة للفساد السلطوي والفساد الطليق ضرورة لضمان استمرارية السلطة واستقرارها، وحيث هندسة الإفقار المجتمعي الشامل عنصر لازم لضمان حياة الاستبداد والفساد.

لا غرابة أن توكل الرواية العربية إلى نفسها، وهنا البعد الثاني، نقد الاستبداد والتشهير بالدولة التسلطية التي حذفت الكرامة الوطنية والقومية معا.

كتب عن القهر والقمع والسجون محفوظ ومنيف وبهاء طاهر ورضوى عاشور ومحمود الورداني وعزت القمحاوي والمبدع السوداني أمير تاج السر والطاهر وطار،... لم يبق روائي عربي، جدير بصفة الروائي، إلا وعالج الاستبداد الذي دمر الإنسان العربي، ذلك أن المجتمع الذي لا يزاول حقوقه السياسية مجتمع ميت أو يقترب من الموت. بل يمكن القول إن الرواية العربية، من بين أجناس الكتابة المختلفة، هي الأكثر عمقا ونفاذا في التعبير عن "تخلف العرب".

أتحدث هنا عن الإبداع الروائي الحقيقي، منذ كتب جمال الغيطاني "الزيني بركات"، وصولا إلى عمل أمير تاج السر "رعشة الجنوب"، مرورا برواية عزت القمحاوي "الحارس"، التي عالجت موضوع الإنسان السلطوي المختزل. لا غرابة أن تظل الرواية هامشا حداثيا مثابرا في مجتمع عربي أخطأ الطريق إلى الحداثة.

ما انشغالاتك الآن وما الذي تهجس به على صعيد الكتابة؟

ماذا أعمل اليوم؟ أحاول أن أضع كتابا عن نجيب محفوظ عنوانه "الشر والوجود، قراءة في رواية نجيب محفوظ" والسبب واضح، فقد كتبت عن محفوظ أكثر من مرة، ولم أشعر بأنني نجحت في الكتابة عنه، ومحفوظ أيضا المرجع الروائي العربي الكبير الذي لم يتجاوزه أحد حتى اليوم، رغم جهود روائية عربية لامعة ومبدعة. أهجس بمواضيع كثيرة، لا أعرف إن كنت قادرا على تحقيقها.

المصدر : الجزيرة