غلاف كتاب "فانديه – من الإبادة الجماعية إلى إبادة الذاكرة لرينالد سيشير (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

ماذا لو أن أوّل "إنجازات" الثورة الفرنسية كان حرب إبادة جماعية داخل فرنسا نفسها، في مقاطعة فانديه (La Vendée)؟ ماذا لو أن بعض نواب الشعب الفرنسي الذين رفعوا مبادئ حقوق الإنسان وجاءت بهم هذه الثورة تحت شعار "الحرية والعدالة والأخوة" هم الذين خططوا وصمموا ووضعوا موضع التنفيذ هذه الإبادة؟

حقيقتان يصعب تصديقهما ويكشفهما لنا الباحث والجامعي الفرنسي رينالد سيشير في كتابه الصادر حديثا لدى دار نشر "سير" في باريس تحت عنوان "فانديه-من الإبادة الجماعية إلى إبادة الذاكرة".

كان يجب انتظار نخوة رينالد سيشير واكتشافاته داخل الأرشيف الوطني الفرنسي، كي تظهر الحقيقة وتنقلب قراءة هذه الأحداث كليا

أدلة دامغة
الأدلة التي يكشفها سيشير في هذا البحث الضخم (٤٤٠ صفحة) دامغة، فبخلاف ما قيل وكتب منذ قرنين حول هذه المرحلة من تاريخ فرنسا، يصعب التشكيك بالمجازر المخيفة التي تعرض لها سكان مقاطعة فانديه بين العامين ١٧٩٣ و١٧٩٤م، وراح ضحيتها نحو ١١٧ ألف قتيل من الأطفال والنساء والعجزة والرجال، كما لا تقع مسؤولية هذه المجازر على بضعة أشخاص تحركوا من تلقاء ذاتهم دون استشارة السلطات المنبثقة عن الثورة.

فالقوانين التي شرعتها الثورة معروفة ونشرت في الجريدة الرسمية آنذاك، كما أن الرسائل التي تم تبادلها بين "لجنة الإنقاذ العام" التي قررت هذه الإبادة وخططت لها، والمؤلفة من أبرز وجوه نواب الشعب، والجنرالات الذين نفذوها، احتفظ بها داخل الأرشيف الوطني!

لكن كان يجب انتظار نخوة سيشير واكتشافاته داخل الأرشيف المذكور كي تظهر الحقيقة وتنقلب قراءة هذه الأحداث كليا. فعلى ضوء المعطيات الجديدة، يتبيّن لنا أن الحرب الأهلية المعروفة التي تلت الثورة الفرنسية لم تدم سوى خمسة أشهر، أي من مارس/آذار ١٧٩٣ -تاريخ انتفاضة سكان مقاطعة فانديه على الثوار الجمهوريين-، وحتى 1 أغسطس/آب ١٧٩٣م، تاريخ التصويت داخل البرلمان الفرنسي على أول قانون سحق وإبادة هؤلاء السكان. أما ما حصل فيما بعد فهو تطبيق حقيقي ومنهجي لهذا القانون لم يسلم منه حتى قاطنو مقاطعة فانديه الموالون للثوّار.

والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق تتمثل في عدم سعي أحد قبل رينالد سيشير لمعرفة طبيعة ما حصل في المقاطعة المذكورة آنذاك؟ والصمت المطبق من قبل السياسيين والإعلاميين والباحثين الفرنسيين على مدى أكثر من قرنين من الزمن، وكذلك إقدام مؤرخي الثورة الفرنسية على تقديم قراءة معاكسة للأحداث التي تلته، وأدت إلى تحول الجزار إلى ضحية والضحية إلى جزار، وبالتالي إلى الإبادة المتعمدة للذاكرة.

كما أن السؤال الأكثر إلحاحا هو لماذا ما صح في محرقة اليهود ومجازر الأرمن لا يصح في المجازر التي حصلت في مقاطعة فانديه؟ وكيف يمكن للفرنسيين اليوم أن يطالبوا الأتراك بالاعتراف، وإدانة ما تعرض له الأرمن في بداية القرن الماضي حين يرفضون الاعتراف بما فعلوه بأنفسهم مع إخوتهم الفانديين؟

تكمن أهمية هذا البحث في كشفه للمرة الأولى التفاصيل المخيفة التي تمت فيها تصفية عشرات آلاف المدنيين العُزَّل من سكان فاديه رميا بالرصاص غرقا أو بحد السيف

صمت المؤرخين
أهمية البحث الذي وضعه سيشير تكمن إذا في كشفه خبث المؤرخين الفرنسيين الذين برروا صمتهم حيال هذه الإبادة الجماعية، بانتفاء الوثائق الأمينة التي يمكن الاعتماد عليها، في حين أنها كانت ولا تزال متوفرة بغزارة داخل الأرشيف الوطني، وأيضا داخل أرشيف الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية. وثائق لا تناقَش تركها خلفهم أولئك الذين صنعوا بأيديهم ذلك التاريخ الأسود، ولكن أيضا بعض ضحايا هذه الإبادة أو بعض شهود العيان عليها.

كما تكمن أهمية هذا البحث أيضا في كشفه للمرة الأولى التفاصيل المخيفة التي تمت فيها تصفية عشرات آلاف المدنيين العزل رميا بالرصاص، غرقا أو بحد السيف.

أكثر من ذلك، يبين البحث عملية التزوير التي قام بها مؤرخو تلك المرحلة عبر تصويرهم سكان مقاطعة فانديه مجرمين طعنوا الثورة الفرنسية في ظهرها وانقضوا على مكتسباتها والقيم التي رفعتها وتحالفوا مع الملكيين والأرستقراطيين والغرباء (البريطانيين والأسبان والنمساويين) للعودة بفرنسا إلى الوراء، في حين أن الحقيقة هي عكس ذلك تماما.

فانتفاضة أهالي فانديه كانت شعبية محضة، وارتكزت على شرعة حقوق الإنسان التي تضمن حرية المعتقَد والتفكير، لمواجهة فرض الثوار بالقوة على الشعب الفرنسي التعبئة العسكرية والتخلي عن معتقداته الدينية.

وتجدر الإشارة إلى أن بحث سيشير يرتكز أساسا على أطروحة الدكتوراه التي وضعها عام ١٩٨٧ ونالت في حينها جائزة "رونيه بوتيي" العريقة التي تمنحها "الأكاديمية الفرنسية" نفسها.

ونظرا إلى أهميته القصوى وريادته في ميدانه، خط رئيس "محامون بلا حدود" جيل ويليام غولدنادل مقدمة له تبنى فيها كل ما تقدم به سيشير حول هذا الموضوع، واعتبر أن عدم الاعتراف بهذه الإبادة الجماعية المنهجية هو من الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى تكرارها في ألمانيا وروسيا ودول أخرى في عصرنا الحديث.

المصدر : الجزيرة