البعض يعتبر فن الغرافيتي تخريبا للجدران والساحات العامة (الجزيرة نت)

زينب عساف-ديترويت

"فن الشوارع" أو الغرافيتي.. يكفي إطلاق اسم كهذا على فن ما ليثير أسئلة كثيرة جدا، فالأشخاص الذين يرسمون على الجدران بطريقة فنية يطلقون على أنفسهم لقب "فنانين"، في حين تصفهم الشرطة "بالعصابات". ومع انتشار ظاهرة الغرافيتي عالميا، تزايد الجدل حول تصنيفها بين الفن والفوضى.

لعل مدينة ديترويت الأميركية مكان مثالي لاكتشاف بداية الغرافيتي وكيفية ارتباطه بثقافة الأحياء الشعبية والعالم السفلي للمدن الحديثة، فكل يوم ترى العديد من تلك الأعمال الغريبة أو المألوفة على جدران الأبنية المهجورة أثناء تنقلك في كل ركن من هذه المدينة.

وبالعودة إلى تاريخ هذا الفن لا يوجد زمن محدد لأول رسم غرافيتي، لكن الأكيد أنه يرجع إلى فترة ما قبل اختراع اللغة، عندما قام الإنسان الأول بنقش صور الحيوانات وعناصر الطبيعة على جدران الكهوف، ليتطوّر ذلك النقش لاحقا ويصبح أكثر تجريدا ويعرف باسم اللغة التصويرية.

فالغرافيتي إذا أقدم وسيلة للتعبير استخدمها البشر، وقد أضاء لعلماء الآثار جوانب عديدة من حياة الشعوب الغابرة. بهذا المنطق يبرر رسامو الغرافيتي لأنفسهم "احتلال" المساحات العامة بألوانهم ونقوشهم، "لعل أجيال المستقبل ستتعرّف إلى حياتنا الحالية من خلال هذه الرسوم" كما يقول أحدهم.

لكن هذا المنطق لا يعجب العديد من الناس ولا سيما رجال الشرطة خاصة في الولايات المتحدة، حيث أسست في نيويورك فرقة خاصة بمكافحة رسوم الشوارع لإزالة تلك "البشاعات" -كما يصفها شرطي- عن جدران المدينة.

 الغرافيتي ابن الشوارع والأحياء الفقيرة (الجزيرة نت)
ثقافة السود
وقد ارتبط فن الغرافيتي بموسيقى الهيب هوب، ربما لكونهما من إنتاجات الطبقات الكادحة، وبثقافة الأفارقة الأميركيين الذين ما زالوا يُعدّون الأكثر فقرا بين مكونات المجتمع الأميركي المختلفة.

وقد شهد هذا الفن تطوّرا كبيرا منذ سبعينيات القرن الماضي وعصر "الهيبيز" ليصبح أكثر تعقيدا من حيث الأساليب الفنية أو التقنيات المستخدمة.

وفي الولايات المتحدة بدأ فن الشوراع باستخدام الأقلام السوداء العريضة للكتابة على الجدران والمساحات العامة، ثم تطوّر تدريجيا باستخدام البخاخات الملوّنة التي تنتج أشكالا كثيرة بالإضافة إلى إدخال المواد المضيئة على الرسوم، وهو ما فتح الباب أمام إبداع الرسامين المعروف بعضهم عالميا.

ومنذ كتب ذلك الشاب المغرم اسمه في كل مكان من المدينة كي يؤثر في الفتاة التي أحبّها، تعددت استخدامات الغرافيتي مع تطوّر حاجات الحياة الحديثة لتستخدم كأداة للتعبير السياسي، مثل مناهضة العنصرية وكذلك خلال الحملات الانتخابية، وأيضا لبث رسائل إيجابية كحضّ أطفال الفقراء على عدم ترك المدارس.

أما في العالم العربي فقد كبر البعض على شعارات كثيرة منقوشة على الجدران، منها العفوي الذي يحمل رسائل شخصية "فلان مرّ من هنا"، ومنها المنظّم من قبل أحزاب ومنظمات كثيرة، خاصة في لبنان أثناء الحرب الأهلية وما بعدها حين غطيت الجدران والمساحات العامة بشعارات وشعارات مضادة.

وحتى الجنود الأميركيون الذين انسحبوا من العراق مؤخرا، تركوا وراءهم غرافيتي تقول إنهم مرّوا فوق أرض الرافدين. وخلال ثورة 25 يناير في مصر ظهرت على الجدران لوحات وصور بديعة ومعبرة تناهض الدكتاتورية وتنشد الحرية والوحدة الوطنية.

الغرافيتي انتقل من جدران الشوارع
إلى  البيوت والمعارض (الجزيرة نت)

فن الشوارع يجد بيتاً
داخل مبنى شوانكوفسكي للموسيقى في شارع وودوارد التاريخي بمدينة ديترويت، اجتمع فنانو غرافيتي مختلفو الأساليب والأعراق ضمن إطار مبادرة لتنظيم هذا الفن، فماذا يبقى من الغرافيتي إذا حبسناه داخل الغرف المغلقة؟

الفنانون يقولون إن رسومهم ما زالت "بنت الأزقة" وإن انتقلت إلى الداخل، لكنهم على الأقل لا يخشون السجن هذه المرة حين يمارسون هوايتهم المفضلة في الرسم على الجدران. لكن هذا الفن يبدو أكثر نخبوية حين ينتقل إلى الداخل، كما في مكتبة ديترويت العامة حيث تبدو الرسومات أكثر جدية مستفيدة من الخدع البصرية.

من جهة أخرى، يعدّ مشروع شارع هايدلبرغ في ديترويت نموذجا حول "قوة الفن" كما يقول الفنان الأميركي المعروف تيري غايدن الذي بدأ هذا المشروع في نهاية الثمانينيات، محوّلاً البيوت التي تركها سكّانها إلى قطع فنية يزورها سيّاح من ولايات ودول مختلفة.

وإذا تجولت في هذا الشارع ستلاحظ تقنيات تحويل الخراب إلى جمال أو على الأقل إلى إشارات حياة، من خلال البيوت المطلية بالألوان المرحة والمزيّنة بالأقنعة الأفريقية أو بما تبقى من أثاث بداخلها.

بعض الفنانين يعيشون داخل هذه البيوت بعدما انضم كثيرون إلى غايدن في مشروعه هذا الذي مثل الولايات المتحدة في مسابقات عالمية عديدة.

يقول غايدن "لقد منح هذا المشروع الحياة لهذا الحيّ الذي تعرّض للتخريب إثر أحداث ديترويت في الستينيات.. نعم، لأن الفن دواء الموت.. هذه هي رسالتي، وهذا ما فعلته".

المصدر : الجزيرة