الشوارع السورية أضحت كأنها تعيش أعراسا

عمار يحيى

ما إن فجر أطفال درعا الثورة السورية حتى تفجرت معها زنزانة الخوف التي قبع السوريون بين جدرانها نحو أربعين سنة، فخرجوا يستنشقون نسائم الحرية، ويغنون احتفالا بعودة الهواء إلى صدورهم، فكأن شوارع سوريا هذه الأيام في عرس دائم، فما من حي إلا فيه عرس، وما من بيت إلا فيه شهيد.

وكما تترافق الأعراس الشامية بـ"العراضة" تغني للعروسين وتفخر بشمائل القوم وتنادي بمكارم الأخلاق، ترافقت الثورة السورية بعراضات الحرية، فاجتمعت الحشود في الشوارع تهتف للثورة، وتعاهد الشهداء، وتغني في وجه الرصاص.

لقد كانت الأهازيج صوت الشارع الثائر، فهو يروي بها قصته ويعلن مبادئه ويؤكد وحدته ويشرح أسباب ثورته ودوافع انتفاضته. فها هم ثوار دير بعلبا في حمص يغنون:

آني طالع أتظاهر ودماتي بإيديَّ .. وإن جيتك يمّا شهيد لا تبكين عليَّ
سمعت هالشباب يمّا بالثورة السورية .. طلعت يمّا صغار كبار تهتف للحرية
واجهوهم هالظلاّم بالمدفعية .. كلمة حرية يمّا تقابلها الروسية (البندقية)

وردت دير الزور على كل من حاول أن يشعل بين أبناء الوطن الواحد نار الفتنة الطائفية:

حيي رجالك يا سورية .. أقوى من سباع البرية
لا سنية ولا علوية .. سورية وحدة وطنية
سجل سجل يا زمان .. هاليقتل شعبه جبان

السوريون رفضوا الانجرار وراء الطائفية وتشبثوا بوحدة وطنهم (رويترز)

دعوات للوحدة
وليست دير الزور وحدها التي أكدت هذا المعنى الجميل، بل لا تكاد تخرج مظاهرة أو تغنَى "عراضة" في سوريا كلها إلا وتهتف بوحدة الوطن وأخوّة أبنائه واتحادهم جميعا في وجه الظلم والاستبداد.

فهذه حماة تغني:
إسلام ومسيحية .. حموية ردوا عليا
درزية وعلوية .. أهل الثورة السورية
إيد بإيد يا سورية .. رح بنشيل الأسدية
والله يا الشعب السوري .. إنتو فهمتوا عليَّا

ومع تنقل الدبابات من مدينة إلى أخرى، وما تخلفه وراءها من آثار الدماء، كانت الشوارع السورية ترسل رسائل الفداء إلى إخوانهم المحاصَرين، يفدونهم بأرواحهم، ويمدحون وقفاتهم الثورية في وجه آلة القمع والقتل، ويحيون مواقفهم البطولية.

فهاهم المهنئون في "عرس" الشهيد محمد خير الدين عيسى بإدلب، يرددون وراء صدّاحهم:

من درعا طلعوا الشباب .. فتحوا للحرية بواب
يا بانياس يا عيوني .. شبابك خجلوني
وحمص وحدها برجالا ..  ما رح ننسى أفعالا
ينصر دين الحموية .. طلعوا طلعة قوية
إدلب يا شامة ع الخد .. رجالك مثل زرار الورد
الله محيي سوريا .. لأهلا وناسا يخليّا

ويغني الزجال في مظاهرة بحماة للمدن الثائرة:
درعا وحماة ودير الزور .. وشامنا معهم بتثور
والله إدلب فارت فور .. لتشيل الحرامية
بانياس بترفع الراس .. الشبيحة بحمص بتنداس
اللاذقية هي الأساس .. وعيني ع الجبلاوية

ولا ينسى أبناء الوطن الثائر شهداءهم بل يعاهدونهم على مواصلة طريقهم، ولا يعدونهم أمواتا لأنهم يثقون بوعد الله تعالى لهم بأنهم أحياء يرزقون، فيدعون أمهات الشهداء للفرحة، كما دعوا أم الشهيد محمد مطر الذي قُتل في 27 رمضان:

يا أم الشهيد زغردي ولالي .. هذا بنيك يا بدر الهلال
زفوا الشهيد فوق كتاف رفاقه .. مثل العريس نجم بالعلالي
رفاقه يا رفاقه، دمه دين علينا .. فديته بروحي وباولادي وبمالي
يمّا  يا يمّا، ع فراقي لا تبكي .. هذه الشهادة يا يمّا بتنادي

سوريون غنوا للحرية بالأردن (رويترز)

مطاردة الشبيحة
وإن كان لكل فنّ نجوم، تطاردهم الكاميرات والمعجبون، فإن نجوم "العراضات" الثائرة في شوارع سوريا تطاردهم الطلقات ويسعى وراءهم "الشبيحة"، لا ليأخذوا توقيعاتهم بل ليقتلعوا حناجرهم ويخرسوا أصواتهم.

وكما كان عبد الباسط الساروت حارس منتخب شباب سوريا يذود عن مرمى فريق وطنه، ها هو اليوم يذود بصوته عن حقوق أبناء وطنه، ويغني للحرية من حمص كما غنى إبراهيم القاشوش من حماة، فيسمع صدى أغانيهما في مظاهرات الجاليات السورية المعارضة في العالم كله، فتغدو حنجرته مطاردة من شبيحة النظام، كما كانت حنجرة القاشوش قبله.

يعلن الساروت من حمص منذ الأيام الأولى دوافع ثورتهم ومبادئها، غير عابئ باتهامات النظام ودعايات إعلامه، فينادي بأعمق صوته:

عالعين ثورة عالعين  والشهداء يوميا
خل يقولوا مندسين   بشمركة وسلفية
وحنا الثوار الأبطال  بدمنا نحمي سوريا
لا عنا فتنة وتخريب   ولا عنا طائفية

لقد حاول النظام السوري فرض روايته على وسائل الإعلام باحتكار العدسة والصوت، لكن الشارع الثائر استطاع بعدسات هواتفه وحناجر أبنائه -مع ما في قلبه من إصرار- أن يبلغ مبلغا لم تدركه آلة الإعلام السورية على طول باعها، فنادى بمبادئ ثورته، وأكد أخوّة أبنائه، وعاهد الشهداء، وفاخر بالأبطال، وسخر من الظلام، كل ذلك بأنغام عذبة يتراقص لها الثائرون، وترتعش لمعانيها الأفئدة.

المصدر : الجزيرة