منحوتة "ثلاثة رجال لألبرتو جياكوميتي

أنطوان جوكي-باريس

يسمح معرض "جياكوميتي والأتروريون" في باريس للمتابعين والمهتمين بفن النحت بإعادة قراءة أعمال الفنان السويسري ألبرتو جياكوميتي (١٩٠١-١٩٦٦) على ضوء المنحوتات التي خلّفتها الحضارة الأترورية التي ظهرت في غربي إيطاليا بين القرن التاسع والقرن الأول قبل الميلاد.

والمعرض الحالي في مركز "بيناكوتك" الفني في باريس يبيّن بما لا يقبل الشك الاهتمام الكبير الذي أولاه النحات جياكوميتي لهذه الحضارة ومدى تأثّره بإرثها الفني الفريد.

وشغف جياكوميتي بروائع الحضارات القديمة هو أمرٌ معروف اليوم، كما تشهد على ذلك كتاباته ورسومه الغزيرة على صفحات كاتالوغات معارض الفنون البدائية ومجلات تاريخ الفن التي عُثر عليها في مكتبته.

الجزء الأعلى من تمثال "ظل المساء" لجياكوميتي (الجزيرة نت) 
افتتان عميق
ويمكن الجزم بالافتتان العميق للنحات الشهير بالفن الفرعوني والسومري والبيزنطي والأفريقي والأوقياني والأزتيكي، إلى جانب الفن الأتروري الذي اكتشفه باكرا في متحف اللوفر، خلال الأبحاث التي قادها أثناء مرحلته السريالية وسعى فيها خلف حلول مركبة وصور رؤيوية وغامضة مثالية لاستحضار أشكال جديدة ترضي توجهاته الطليعية.

لكن لقاءه الحقيقي مع هذا الفن حصل أثناء المعرض الذي خصّصه متحف اللوفر للحضارة الأترورية عام ١٩٥٥ والذي شكّل صدمة له ظهرت على أثرها منحوتاته الخيطية الشكل التي تعتبر الأقوى والأهم في إنتاجه الفني.

والمقارنة التي يقترحها علينا المعرض الحالي لا تعكس فقط تأثر جياكوميتي بجمالية الفن الأتروري على أثر مشاهدته تمثال "ظل المساء" الخيطي الشكل، بل تتجاوز ذلك لكشف لقاء بين عالمين وفلسفتين. وكما أننا لم نعد نتساءل إن كان اكتشاف بيكاسو للفن الأفريقي هو الذي مهّد لرسمه لوحة "آنسات أفينيون".

لا يهمنا أن نعرف إن كان جياكوميتي قد ابتكر الأسلوب الخيطي الشكل قبل اكتشافه تمثال "ظل المساء" أو بعده، فالمهم هو أنه عثر، في ظرف العودة إلى العصور القديمة التي دعت إليها الحركة السريالية، على جمالية بدت مألوفة له أو على الأقل أثارت لديه تساؤلات كافية كي تنبثق لديه الرغبة في بحث فكري وجمالي وروحي سمح له بتعزيز سيرورة إبداعه وتطويرها.

السؤال الأول الذي يراودنا داخل المعرض هو: مَن هم أولئك الفنانون الذين فسّروا العالم بنفس المعايير التي اعتمدها جياكوميتي، لكن قبل ٢٥٠٠ عام منه؟ سؤالٌ طرحه هذا الأخير بدون شك على نفسه ويحاول المعرض الإجابة عليه عبر منحنا نظرة جديدة على الشعب الأتروري الذي وصف اليونانيون أبناءه بالقراصنة واعتبروهم تارةً كأبرز خصومهم وتارة أخرى كأقرباء لهم.

يشكّل تمثال "ظل المساء" بالنسبة لجياكوميتي مفتاح عالم خيالي، عالم أحلامه وكوابيسه الذي جسّده في منحوتاته
الحداثة الأترورية
ومن خلال التماثيل والقطع الأثرية الأترورية المعروضة، يتبين لنا أن الأتروريين ابتكروا نوعاً فريداً من الفن يتألف بشكلٍ رئيسي من نواويس منحوتة وتماثيلٍ لمحاربين، وطوروا أسلوبا نحتيا لا مثيل له في زمنهم ينم عن حداثة جمالية نادرة.

وهذه الحداثة هي التي صدمت جياكوميتي إلى حد خلّف لديه الرغبة في التعمّق في بحثه وفهمه لهذا الشعب وفنه فتوجه إلى أتروريا (توسكانا اليوم) وأمضى فترةً طويلة في فلورنسا وفولتيرا تردد خلالها على المتاحف الأثرية والمواقع الأثرية المتبقية من هذه الحضارة.

ويشكّل تمثال "ظل المساء" بالنسبة لجياكوميتي مفتاح عالم خيالي، عالم أحلامه وكوابيسه الذي جسّده في منحوتاته وتقطنه أشباحٌ غريبة تتنقل على عكازات عالية جدا، وكائناتٌ عارية وصلعاء ونساءٌ بوضعيات جامدة، تبدو من بعيد على شكل قاماتٍ مجردة من أي شخصية، كما لو أنها ظلالٌ سود، ترمز وفقاً لبعض النقاد إلى سنواتٍ الرعب والقلق واليأس التي عاشها الفنان.

هذه الحداثة هي التي صدمت جياكوميتي إلى حد خلّف لديه الرغبة في التعمّق في بحثه وفهمه لهذا الشعب وفنه فتوجه إلى أتروريا (توسكانا اليوم) وأمضى فترةً طويلة في فلورنسا وفولتيرا
اللحظة التاريخية
ولا عجب في ذلك، ففي أحد حواراته الأخيرة، قال جياكوميتي "حتى العمل الفني الذي يبدو الأكثر حرية وثورية هو مرتبط بشكلٍ وثيق بلحظته التاريخية وبأعمال جميع الحقب التي تشكّل جزءاً من ماضيه". ويبرر هذا القول المقابلات المثيرة التي يقترحها المعرض الحالي بين بعض منحوتات الفنان وتماثيل وقطع أثرية أترورية.

فالتمثال البرونزي الروماني (القرن الخامس قبل الميلاد) مثلاً يذكرنا بحجمه الصغير وذراعيه الملتحمتين بالجسد برقة منحوتات جياكوميتي التي لا تتعدى بضع سنتمترات وترتكز على فكرة تحديد شخصياته كنقاطٍ بعيدة داخل الفضاء وتتحول فيها المسافة التي تفصل هذه الشخصيات عن عين المتأمل بها إلى واقعٍ داخل فضاء بصري طويل.

وتشكّل أداة التنجيم الأترورية البرونزية التي تعرف تحت تسمية "كبد بياسينزا" أحد مصادر منحوتة جياكوميتي "الحياة مستمرة" (١٩٣٢) التي يدور فيها الرأس بزاوية تسعين درجة وتستحضر ملامحه نتوءات الأداة المذكورة.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللوح الحجري الذي نُقش عليه قامةٌ فارغة جالسة على عرشٍ وتشبه بنحافتها ووضعية ذراعيها عدداً كبيراً من منحوتات الفنان، أو بالنسبة إلى تمثال "المحارب" الأتروري الذي يمكن مقارنته بمنحوتة جياكوميتي "الشيء المخفي" (١٩٣٤)، والقطعتان تعالجان الفضاء المحيط بهما كحضورٍ يتعذّر الإمساك به وتحاولان تجسيد جوهر هذا الفضاء وأبعاده.

المصدر : الجزيرة