الكاتب والمفكر البريطاني من أصل باكستاني طارق علي (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

اكتملت الترجمة الفرنسية "لخماسية الإسلام" التي وضعها المفكر والأديب البريطاني (من أصل باكستاني) طارق علي بصدور رواية "ليلة الفراشة الذهبية".

وقد انطلق علي في كتابة هذه الخماسية أثناء حرب الخليج (١٩٩١) ردّا على الكتّاب والمعلّقين في الغرب الذين ادعوا غياب الثقافة لدى المسلمين، وركز في كل جزء على حقبة تاريخية لعب فيها المسلمون دوراً سياسياً وثقافياً بارزاً.

ويُعتبر طارق علي منذ نهاية الستينيات أحد أبرز وجوه اليسار البريطاني والكتاب المناهضين لليبرالية، وصدرت له بالفرنسية ضمن الخماسية رواية "سلطان في باليرمو" سنة 2007 ورواية "صلاح الدين" سنة ٢٠٠٨ و"ظل أشجار الرمّان " سنة 2009 و"التمثال الحجري" سنة ٢٠١٠.

ومع أن كل رواية من هذه الخمس تعد عملا مستقلا بذاته توجد ملامح رئيسية أربعة توحّدها، هي الطرافة والخيال والبصيرة ومتعة النقد، إلى جانب جهد توثيقي كبير في كتابتها، وقد برع علي في نسج خيوط أقدار شخصياتها، وحبكاتها المعقدة والمتينة، في إنارة ومساءلة حقب مجيدة من تاريخ العالم الإسلامي.

الترجمة الفرنسية للجزء الأخير من خماسية طارق علي الروائية بعنوان "ليلة الفراشة الذهبية (الجزيرة نت)
سرطانات الوطن
وعلى عكس الأجزاء الأخرى للخماسية تدور أحداث "ليلة الفراشة الذهبية" في عصرنا الحالي وتتضمّن عناصر مستقاة من حياة صاحبها، إذ تبدأ باتصال هاتفي يتلقاه الراوي -كاتب بنجابي يعيش في لندن- من صديقٍ قديم يدعى أفلاطون يطلب منه الوفاء بوعده ورد الخدمة التي أسداها له منذ أكثر من أربعين عاماً في لاهور، بكتابة قصة حياته بعدما أصبح فناناً شهيراً.

ويستغل دارا (الراوي) فرصة هذه السيرة لتقفي أثر رفاق تلك المرحلة (الستينيات) الذين ناضلوا معا في السر، قبل أن يتفرّقوا داخل العالم ويسلكوا دروباً متباينة. وفي النهاية، يلتقي الجميع في الوطن الأم لكشف الستار عن لوحة عملاقة لأفلاطون عمل عليها قبل وفاته وتحمل عنوان "سرطانات الوطن الأربعة" (أميركا، العسكر، الملالي، الفساد).

ومع أن علي لا يذكر اسم وطنه في الرواية لكننا نحزر بسرعة أن المشهد المدمر الذي يخطه على طول نصه هو لباكستان اليوم، بورتريه يسمح له أيضا بفضح التعامل الخبيث للغرب مع بلده والعالم الإسلامي ككُلّ.

ولا تكبح النظرة القاسية التي يلقيها الروائي على الأحداث والمواضيع المقاربة في هذه الرواية مهاراته السردية المعهودة، فلفضح الإقطاعية يلجأ إلى شخصية زينب الجذابة التي منعها أخوها من الزواج وهي شابة كي لا يتبدد الإرث العائلي.

وحين يتعرّض لخبث الغرب، يلجأ إلى شخصية نسائية أخرى يحوّلها الإعلام الفرنسي بين ليلة وضحاها إلى ضحية الإسلام، في حين أنها ضحية سذاجتها وطمعها. أما قصة حب دارا وجندية الأفلاطونية فتُمسك بأنفاسنا حتى نهاية الرواية وتمنح علي الفرصة لسرد فصلٍ شيق ومجيد من تاريخ المسلمين في مقاطعة يونان الصينية.

في رواية "ظل أشجار الرمّان" (٢٠٠٩) يرجع بنا علي إلى عام ١٤٩٩م بالأندلس عندما أمر رئيس أساقفة غرناطة بإتلاف جميع الكتب العربية
دفاع عن التاريخ
وكانت الخماسية كما نشرتها دار "سابين فيسبيسر" الباريسية منذ عام ٢٠٠٧ قد انطلقت مع رواية "سلطان في باليرمو" التي يعود علي فيها إلى عام ١١٥٣ ليروي مرحلة نهاية عهد الملك روجيه الثاني (السلطان روجاري) في صقلية ويُبيّن كم كان هذا الملك مثقفاً وحكيماً حافظ على الوجه الإسلامي لمملكته وحمى رعاياه المسلمين وأحاط نفسه بمستشارين عرب، وعلى رأسهم عالم الجغرافيا الكبير الإدريسي، قبل أن يُضطر إلى تقديم تنازلاتٍ مريرة للبارونات والأساقفة النورمانديين قوّضت ٢٥٠ عاماً من العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في الجزيرة.

يستكشف علي بمهارةٍ سردية كبيرة ومعرفة تاريخية دقيقة في هذه الرواية المليئة بالأحداث والمفاجآت والمؤامرات، مرحلة مفصلية شكّل التسامح والوئام فيها مصدر إشعاع صقلية خلال القرن الثاني عشر. وبتسليطه الضوء على الأسباب التي أدت إلى نهاية هذه المرحلة، حاول أيضاً فهم وتفسير تشنجات عالمنا المعاصر.

وفي رواية "صلاح الدين" نتعرّف على قصة صلاح الدين الأيوبي منذ الفترة التي قرر فيها طرد الصليبيين من القدس، فنتنقل معه بمتعةٍ كبيرة داخل أروقة القصور وخِيَم المعسكرات وعلى جبهات المعارك ونستشفّ ذكاء سلطان دمشق والقاهرة الإستراتيجي وشجاعته وكرمه.

أما في رواية "ظل أشجار الرمّان " فيرجع بنا علي إلى عام ١٤٩٩م بالأندلس عندما أمر رئيس أساقفة غرناطة بإتلاف جميع الكتب العربية، ويبرع في سرد تفاصيل الحياة اليومية لشخصيات روايته "عائلة الهُدَيل" التي تعيش على مقربة من مدينة غرناطة في تلك اللحظة التي ينقلب فيها عالمهم الجميل رأساً على عقب، وذلك بموازاة قيادته تأمّل حاذق وعميق في أسباب زوال الثقافة العربية من الأندلس.

المصدر : الجزيرة