تراجع  الإقبال الكتاب الورقي من بين مشاكل النشر في مصر (الجزيرة نت)


بدر محمد بدر-القاهرة

تعاني أوساط النشر المصرية الفترة الأخيرة عدة مشكلات ساهمت في تدهور أحوال سوق الكتاب في البلاد وارتفاع ثمنه وكساد تجارته وسوء توزيعه، وزاد من الأزمة إلغاء معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير/ كانون الثاني الماضي في أعقاب اندلاع الثورة. وفي حين يرى بعض المتابعين أن مشاكل النشر هيكلية يرى آخرون أنها أزمة عابرة.

الجزيرة نت استطلعت واقع حركة النشر في مصر وآفاقها وطبيعة المشكلات التي تعانيها، من خلال آراء عدد من المسؤولين والخبراء والكتاب.

مشكلات عامة
يؤكد المشرف على إدارة المشروعات الثقافية بالهيئة العامة للكتاب المنجي سرحان أن تلك المشكلات تتعلق أولا بارتفاع أسعار الخامات مما يؤدي إلى ارتفاع سعر الكتاب فينصرف عنه القارئ، وتساءل كيف يشترى كتاب سعره 35 جنيها (ستة دولارات) وخاصة أن مصر دولة نامية تحتاج إلى دعم الوزارت المعنية، وسعيها بكل السبل لنشر الثقافة بأسعار زهيدة في متناول عامة الشعب؟".

جانب من الكتب بمعرض الكتاب العربي  بالقاهرة (الجزيرة نت)
ويشير أيضا إلى أن هناك قلة من دور النشر تجيد آليات ومهارات التوزيع، بما لديها من خبرات تسويقية، ولكن الحالة العامة تعاني ركودا، فالنسبة الغالبة من دور النشر لا تجيد تسويق منتجها، سواء كانت حكومية أو خاصة. وطالب سرحان الدولة بدعم قطاع النشر من خلال توفير الخامات بسعر معقول يتناسب ودخل المواطن المصري.

من جهته يرى رئيس لجنة حقوق الملكية الفكرية باتحاد الناشرين أن واقع النشر بمصر هو نفسه واقع النشر بالعالم، فالإشكالية التي تطرح نفسها بقوة حاليا هي هل سيظل النشر ورقيا أم سيتحول إلى نشر إلكتروني، وبأي طريقة، وكيف نضمن حقوق الناشرين من القرصنة؟

ولفت أحمد إبراهيم إلى أن اتحاد الناشرين ينظم دورات تدريبية مهنية لكيفية التسويق واختيار العناوين وحماية الحقوق، والاستفادة من التطور التكنولوجي للنشر الإلكتروني بوصفه طبيعيا وضروريا، ولكن بضوابط حاكمة ومقننة.

بدوره أوضح عضو مجلس إدارة اتحاد الناشرين ورئيس لجنة المعارض مسعد شعير أن عدد المسجلين باتحاد الناشرين يبلغ 450 ناشرا، ويتراوح المعدل الطبيعي للنشر بمعظم دور النشر بين عشرين وخمسين عنوانا سنويا لكل منها، وأشار إلى أن هناك دور نشر لها قدرة عالية تنتج نحو 250 كتابا سنويا.

القرصنة الإلكترونية
وأضاف بحديثه مع الجزيرة نت أن الكتاب الورقي يشهد انحسارا بسبب إلغاء معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير/ كانون الأول الماضي، مما أضر بالناشرين ضررا بالغا، حيث يمثل المعرض 35% من مبيعات دور النشر، وأوجد عجزا بالميزانية وتكدسا للكتب بالمخازن، خاصة مع إلغاء بعض المعارض العربية مثل معرض اليمن في سبتمبر/ أيلول الجاري، والذي كان يدر وحده حوالي مليون دولار للناشرين المصريين سنويا.

واقترح شعير لحل أزمة الكتاب الورقي، أن تتوقف الدولة عن هيمنتها على الكتاب المدرسي وإعداد المناهج، وأن تقوم بتنظيم مسابقات توكل للفائزين فيها إعداد الكتاب، حيث تكلف دور النشر مؤلفين تراهم أنسب وفكرهم أحدث.

ولفت أيضا إلى مشكلة القرصنة حيث يتم تحميل كتاب مطبوع على الإنترنت بالمجان، وهضم حق مؤلفه وناشره، وهناك من يطبع نسخا بشكل غير شرعي تباع بربع ثمن الكتاب الأصلي، فيؤدي هذا إلى كساده، ولذلك يسعى اتحاد الناشرين الآن لوضع قانون لحماية الناشر من القرصنة، وسوف يعرض على الجهات المختصة، مما يحقق مصلحة الناشر والمؤلف. 

 البعض أرجع أزمة كساد النشر الورقي إلى الأزمة الاقتصادية (الجزيرة نت)
فرص جيدة
من ناحيته يرى عضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب الناقد والكاتب يسري العزب أن حركة النشر بمصر شهدت حراكا ملحوظا خلال السنوات العشر الأخيرة خاصة المجال الأدبي "فكل من قدموا كتبا للطباعة بقصور الثقافة أو هيئة الكتاب تم نشرها، والأدباء الشباب وجدوا فرصة لم تكن متاحة من قبل من خلال سلسلتين، إحداهما سلسلة "إبداعات جديدة" بهيئة قصور الثقافة، والأخرى "كتابات جديدة" بالهيئة العامة للكتاب، وقد وفرت سرعة النشر وصار الانتظار أقل، بينما كان على الكاتب سابقا أن ينتظر دوره لسنوات".

ونبه العزب في حديثه مع الجزيرة نت إلى أهمية "النشر الإقليمي" بالمحافظات، موضحا أن كل إقليم ثقافي ينفرد بإنتاج خاص، وبمصر خمسة أقاليم ثقافية تنشر كتبا جديدة سنويا، تبلغ بالمتوسط 250 كتابا، لكتاب معظمهم من الشباب.

وأشار إلى أن الأزمة تكمن في التوزيع وليس النشر، فالتوزيع أقل بكثير من حركة النشر النشطة والمزدهرة بالواقع الثقافي، والحاجة هي لترويج ما ينشر سواء بالنشر الحكومي أو الخاص.

وكشف العزب أن الناشر الحكومي أصبح لا يجد المخازن التي تكفي للمرتجع من الكتب المطبوعة في الهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة، برغم أنه نشر مدعم، وتنفق عليه الدولة الكثير، ويباع بثمن زهيد مقارنة بتكلفته الحقيقية.

وأرجع أزمة كساد النشر الورقي إلى الأزمة الاقتصادية وأزمة الوعي، ويرى أن العلاج يكمن في ضرورة الالتحام بين المبدعين والناشرين والجماهير، والعمل على محاربة الأمية.

فؤاد قنديل: دور النشر تمر منذ فترة بازدهار نسبي (الجزيرة نت)
ازدهار نسبي   
ومن جانبه يرى الروائي فؤاد قنديل أن حركة النشر في مصر تمر بحالة ازدهار نسبي منذ عدة سنوات، ولكنها تراجعت قليلا بعد الثورة نتيجة للظروف الاقتصادية والمالية والأمنية، سواء على مستوى دور النشر الحكومية أو الخاصة وظروف القراء.

ودلل قنديل في حديثه مع الجزيرة نت بضعف الإقبال على معرضين أقامتهما مؤخرا هيئة الكتاب، بالتعاون مع اتحاد الناشرين، لأنها تمت دون دراسة جدوى لبيئة المعرض وتوقيته ومكانه وبرغم الإنفاق على الأجنحة والدعاية.

ورأى أن مشكلة الناشرين تتمحور في قضية التوزيع، وأن حلها من وجهة نظره ليس فقط بإقامة المعارض بالقاهرة، ولكن أيضا في أن ينتقل الكتاب لكل المدن الصغيرة والكبيرة، مع تنويع القضايا المعالجة.

وطالب قنديل وزارات الثقافة، والتربية والتعليم، والشباب، بشراء الكتب من دور النشر لتزويد مكتباتها، مما يحدث حراكا ويمكن الناشرين من تخفيض سعر الكتاب وتحقيق ربح مناسب، إضافة إلى دور وسائل الإعلام في استعادة تجربة تخصيص وقت للإشارة إلى الكتب الجديدة.

وعلى العكس يرى قنديل أن النشر الإلكتروني لم يؤثر سلبا على النشر الورقي، وثبت أن تخوف البعض منه في غير محله، بل حدث العكس، وجذب الإنترنت الأنظار للكتاب الورقي، وروج له على نطاق واسع، كذلك القارئ المصري غير مستعد لقراءة كتابا كاملا على شاشة الإنترنت، فإذا أعجبه سارع بشرائه.

المصدر : الجزيرة