اللاذقاني: سوريا مفتوحة لكل الاحتمالات
آخر تحديث: 2011/9/22 الساعة 17:02 (مكة المكرمة) الموافق 1432/10/25 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/9/22 الساعة 17:02 (مكة المكرمة) الموافق 1432/10/25 هـ

اللاذقاني: سوريا مفتوحة لكل الاحتمالات

اللاذقاني: توحيد المعارضة في سوريا سيأخذ وقتا وحوارا مكثفا (الجزيرة نت)

حاوره في باريس/بوعلام رمضاني

أمضى الأديب والإعلامي السوري محيي الدين اللاذقاني زهاء أربعين عاما معارضا للنظام السوري، وتنقل في المنافي بين أكثر من موقع إعلامي في الوطن العربي والمهجر, قبل أن يستقر في منفاه الاختياري في لندن، عرف بكتابته لعموده اليومي "طواحين الكلام" الذي كتبه بصفة دورية في أكثر من صحيفة عربية. 

الجزيرة نت التقته على هامش مؤتمر المعارضين السوريين العلمانيين والديمقراطيين الذي عقد في باريس، وسألته عن الربيع العربي ودور المثقف ورؤيته للتغيير في سوريا وقراءته لمستقبل الأزمة في البلاد.

ماذا بقي من دور للمثقفين بعد الثورات العربية التي يقال إنها أكدت أكثر من أي وقت مضى غيابهم، وتقلص تأثيرهم في ظل بروز "ثقافة" الإنترنت الذي عوض عن الزعامات النخبوية التقليدية؟

-

تقاعس المثقف عن تأدية دوره الثوري ارتبط باستفادته عمليا من السلطة بالرغم من نقده النظري لها
لم آخذ، طوال مسيرتي مع الثقافة، مأخذ الجد حديث المثقف العربي عن دوره المزعوم نظريا، فقد كنت أراه من واقع التجربة المرة مجرد ثرثار وحكواتي مقاهٍ ومكروفونات، أما في الواقع فلم يكن لذلك الدور وجود لأن غالبية المثقفين لم تخرج عن الدور التاريخي الذي حدده لها ابن خلدون "الكاتب آلة السلطان".

فدور المثقف لم يكن أكثر من كذبة أدمنها مستفيدون من امتيازات منحتها لهم سلطات بلدانهم مقابل الولاء المطلق، أما نشطاء الإنترنت الذين قادوا المرحلة فقد كان ظهورهم طبيعيا في عصر تحققت فيه نبوءة الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو الذي رأى -بحصافة منقطعة النظير- أن وسائل التواصل تقضي على نزعات التوحش والديكتاتورية وتكرس المدنية لقدرتها على التقريب بين البشر.


كيف تبرر تقاعس وتردد الكثير من المثقفين العرب عن القيام بدورهم المفترض لمحاربة طغيان وتعسف الحكام العرب وترويجهم لطروحات ذاتية، الأمر الذي جعل البعض يصنفون أدونيس في هذه الخانة؟

- تقاعس المثقف عن تأدية دوره الثوري ارتبط باستفادته عمليا من السلطة بالرغم من نقده النظري لها، فأدونيس مثلا كان وثيق الصلة بعائلة الرئيس الأسد وبعائلة مخلوف من خلال الحزب القومي السوري الاجتماعي، وهم من عينه في فترة ما بمنظمة اليونسكو.

لا يمكن القول نظريا إن الحرب الأهلية ليست قائمة الآن في سوريا، فحين يقوم الجيش بتصويب رصاصه ومدافعه ودباباته إلى صدور المواطنين، لا يمكن الزعم أن الحالة الطبيعية للسلم الأهلي متحققة
وفي ليبيا لم يكن الأمر مختلفا، فقد غاب عن تأييد الثورة إبراهيم الكوني وأحمد إبراهيم الفقي وآخرين كانوا مستفيدين من نظام القذافي ماديا ومعنويا، وربما أحسوا بالفجيعة والضياع كما أحس أدونيس، وهم يرون القذافي يتهاوى أمام القوى الصاعدة التي غيرت النظرة إلى المثقف وإلى السلطة معا.

بما أنك حضرت اليوم الأول لما سمي بمؤتمر المعارضين العلمانيين الديمقراطيين، ألا ترى أن غياب المثقفين يعد كارثة حقيقية؟ وأن انقسام المعارضة السورية في الخارج هو الذي ترك المؤتمر يتخذ صبغة كردية، مما لا يشكل موقفا جماعيا.

- لا أريد أن أبرر دور الغائبين ولا الدفاع عن بطء حركة توحيد المعارضين، لكن لا تنسَ أنهم خارجون من أربعين عاما من الغياب السياسي، إذ لم يسمح الأسد الابن -ولا الأب قبله- بأي مشاركة سياسية إلا بما يزين به مجلس الشعب والجبهة الوطنية الديمقراطية كمعارضة "ديكور".

وخلال سنوات النفي كبر هؤلاء وشاخوا في المنفى، كجزر معزولة زرع بينها النظام الانقسام والشكوك، فلم يكن متحدا بينهم إلا الأكراد لعمق مأساتهم، لأن العصابة الحاكمة حرمت معظمهم من أبسط حقوق المواطنة وجواز السفر، لذا كان الحضور السياسي للأكراد في الداخل والخارج أكثر تأثيرا.

أما عن التوحيد فلا يمكن أن يتم بشكل سريع، وسيأخذ وقتا وحوارا مكثفا تساعد عليه الثورة التي أوجدت مناخا روحيا للتصالح، ارتفع البعض إلى مستواه ولا يزال آخرون دونه، لكنهم عاجلا أو أجلا سيلتحقون بالركب.

كيف ترد على الذين يقولون إن موقف معظم المثقفين العرب والسوريين اليوم تحديدا من الإسلاميين -بدعوى رفضهم  طروحات المثقفين العلمانيين- يعكس الشرخ الذي يفصلهم عن الجمهور، وكيف ترى مستقبل التغيير في ظل فصل جديد من تشرذم المعارضة بعد انطلاق فصل التخويف المسيحي من تغير النظام في سوريا؟

الثورة السورية مفتوحة على كل الاحتمالات، وأكثرها ترجيحا انتفاضة داخل الجيش تكمل انتفاضة الشعب
- منذ انتفاضة الأزهر ضد نابليون وجنده والثورات تخرج من المساجد، وللكاتب الليبي الراحل الصادق النبهوم كتاب كامل عن دور المسجد السياسي والاجتماعي، وإن كان أدونيس لا يرى هذا الدور فذلك مرتبط برؤيته التي لا تختلف عن رؤية نظام دافع عنه ثم تراجع بحذر مع تقدم الثورة.

إن التيارات الإسلامية -بما فيها الإخوان- وافقت ووقعت على القبول بقيام دولة مدنية ديمقراطية تعددية على أساس برلماني القول الفصل فيها لصناديق الاقتراع.

أما عن  تخويف المسيحيين، فهو جزء من إستراتيجية شاملة طبعها الأسد الأب وتابعه الابن، وتقوم على منح بعض الامتيازات لبعض الأقليات والإكثار منهم في أجهزة الأمن لدق الأسافين بين  أطياف المجتمع السوري، وبالرغم من هذه الدعوى فالإحصائيات تقول إن هجرة المسيحيين زادت إبان حكم الأسدين، مما يدل على تفهم لهذه اللعبة الخبيثة، ولا شك أن المسيحيين -ككل السوريين- يعرفون أن دولة المواطنة الديمقراطية هي الضمانة للجميع، فالديمقراطية قبل أن تكون حكم الأغلبية هي نظام لحماية الأقلية من عسف الأغلبية.

كأحد أبرز المثقفين السوريين المعارضين، كيف يمكن تضييق الفجوة بين مختلف أطياف المعارضة في أقرب أجل بحكم خطورة وتفاقم الوضع في سوريا، وما هي الآلية المستعجلة في تقديرك؟

- الأغلبية المطلقة مجمعة على أن الدولة المدنية الديمقراطية وإسقاط النظام من ثوابت الثورة والالتزام بالسقف الوطني الذي حددته لجان واتحاد تنسيقيات الداخل، ولعل أفضل آلية للتوحيد أن ينضوي الجميع تحت قيادة واحدة، قد تكون الهيئة العامة للثورة.

ربما كانت فكرة المجالس هي التي فتت الجهود وفرقت التيارات، وهي فكرة لا ضرورة لها في المرحلة الحالية
فالانضواء تحت قيادة الداخل يقلل من تشتت الرؤى ويخلق مرجعية يلتزم بها الجميع، وربما كانت فكرة المجالس هي التي فتت الجهود وفرقت التيارات، وهي فكرة لا ضرورة لها في المرحلة الحالية، ويكفي أن تكون هناك قيادة سياسية مشتركة بين الداخل والخارج لتحد من تجاوزات المجالس التي تكاثرت وتضاربت دون أن يكون لها أي دور ولا أي معنى، فهي مجرد تكرار للحالة الليبية، والذين يصرون عليها لا يقرؤون الواقع السوري قراءة دقيقة.

كيف تتوقع تطور الوضع في سوريا، وعلى ماذا يتوقف نجاح ثورة الشعب السوري في تقديرك من منطلق العارف بخبايا وطبيعة وقدرة النظام على المناورة؟

- الثورة السورية مفتوحة على كل الاحتمالات، وأكثرها ترجيحا انتفاضة داخل الجيش تكمل انتفاضة الشعب وتضع حدا للانحراف الذي جعل الجيش السوري يوجه أسلحته إلى صدور شعبه.

هناك سيناريو آخر، وهو اندلاع انتفاضة في حلب بعد صمت مريب، تكون بمثابة بنغازي سورية ومنها يتم القضاء على النظام وليس من العاصمة، والاحتمال الثالث موافقة الناتو على حظر جوي وتكليف تركيا بالسماح بمنطقة عازلة يتجمع فيها المنشقون عن الجيش الذين يتزايد عددهم باستمرار، ولا شك أن مشاركة الجيش في أي سيناريو سيقلل من قدرة النظام على المناورة.

هل ترى أن حربا أهلية قادمة لا محالة كما يتوقع ناعوم سركيس والباحث الفرنسي المستعرب جان بيار فيليو؟

الحماية الدولية تختلف عن التدخل العسكري الذي يستدعيه النظام بكل قواه، بإغلاقه لأفق الحلول السياسية وإصراره على الحل الأمني القمعي
- لا يمكن القول نظريا إن الحرب الأهلية ليست قائمة الآن في سوريا، فحين يقوم الجيش بتصويب رصاصه ومدافعه ودباباته إلى صدور المواطنين، وحين تتحرك فرق عسكرية من لون طائفي معين للفتك بمدن ومناطق من لون آخر، لا يمكن الزعم أن الحالة الطبيعية للسلم الأهلي متحققة.

 لكن الأمر لن يأخذ مسمى الحرب الأهلية إلا إذا تسلح الثوار للدفاع عن أنفسهم، وهذا احتمال يبدو بعيدا في المرحلة الحالية، لأن الأغلبية تدرك أن انتصار الثورة سلميا أقوى وأسرع، نظرا لما يتمتع به النظام من قدرات تسلحية ضخمة تصعب مقاومتها بأسلحة خفيفة.

أخيرا، ما رأيك في تزكية المعارضة الكردية لمبدأ التدخل الخارجي بدعوى حماية الشعب بغض النظر عن الشكل؟

- المتظاهرون في الداخل رفعوا شعار الحماية الدولية للمدنيين قبل المعارضة الكردية، وهي معارضة وطنية بامتياز تدرك أن أشكال الحماية الدولية للمدنيين متعددة، فقد تأخذ شكل قبعات زرق تابعة للأمم المتحدة، وقد تأخذ شكل فرض حظر طيران لمنع الطيران الحربي من قصف المدنيين كما حدث في حمص ودير الزور.

وقد تأخذ شكل تعطيل الطيران المدني لمنع الأجهزة الأمنية من التحرك داخليا مع أسلحتهم وذخائرهم بطائرات مدنية، وفي كل الأحوال فإن الحماية الدولية تختلف عن التدخل العسكري الذي يستدعيه النظام بكل قواه بإغلاقه لأفق الحلول السياسية وإصراره على الحل الأمني القمعي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات