الرافعي: الكاتب يحمل أوجاع الكتابة في قلبه (الجزيرة نت)

حاوره/ محمد الأصفر

أنيس الرافعي قاص مغربي شاب من جيل التسعينيات الماضية، عرف مغربيا وعربيا من خلال اشتغاله على جماليات التجريب عبر إصدارته القصصية، حيث قدم قصصا لا تلمس فيها أسس كتابة القصة القصيرة التقليدية المعروفة.
 
أصدر مؤخرا مجموعة قصصية جديدة بعنوان "الشركة المغربية لنقل الأموات" تخلى فيها عن نهجه التجريبي التغريبي المحلق، ملتصقا بطين الأرض عبر توظيفه لتراث مغربي قديم هو طقوس الطريقة القناوية وموسيقاها.

من أهم إ نتاجاته القصصية "علبة البندورة"، و"اعتقال الغابة في زجاجة"، و"ثقل الفراشة فوق سطح الجرس"، و"البرشمان"، و"السيد ريباخا" و"فضائح فوق الشبهات" وغيرها. الجزيرة نت التقت الرافعي ليتحدث عن تجربته القصصية وانقلابه السردي المفاجئ:

"الشركة المغربية لنقل الأموات" عنوان يحمل شحنات سياسية مؤلمة  لا تخفى، هل من رسالة إبداعية تحاول سوقها إلى قارئك الذي أنزلته من سماء التجريب إلى طمي الواقع؟

- هذه المجموعة سيناريوهات مفترضة لموتي الخاص، واستشراف للموت الجماعي الذي يتعرض له الكثير من المغاربة ماديا ومعنويا، ومن هنا فإنها تنطوي على موقف سياسي مبطن ومدفون تحت الحكاية.

مجموعة "الشركة المغربية لنقل الأموات"
(الجزيرة نت)
إنها توبيخ للحياة التي لم تكفل الكرامة للجميع، ولم تحنُ عليهم كما يحنو النبات على السور، وهي تصوير استعاري للمغرب وقد تحول فيه الممسكون بزمام الأمور إلى تجار للموت اللامع، وإلى سماسرة للقبور القادمة.

يقول ﺃدونيس "الواقع: أحلام في ثياب العمل"، وهذا ما فعلته بالضبط، إذ جعلت أحلام القصة تنزل إلى الأرض كي ترى بأم عيونها كيف يموت المغاربة بشكل بخس.

لمَ تركت لونك السردي التجريبي التغريبي الذي عرفت به ونزلت إلى ساحة جامع الفنا وحفلات القناوية الحزينة لتلتقط منهما حكاياتك؟

- كثيرا ما يعاب على التجريب القصصي الذي أمارسه أنه " تغريبي"، وهي نظرة ضيقة لكونية الأدب، فارتأيت في مجموعة "الشركة المغربية لنقل الأموات" أن انفتح على موضوع مغربي وتراثي خالص هو طقوس الطريقة القناوية وموسيقاها.

لم أفعل ذلك إرضاء للآخرين، وإنما لأثبت أن التجريب ليس استكانة للصورة، بل إعادة نظر دائمة في هذه الصورة ذاتها، لأن التجريب ليس بلوغا للغاية بل هو توق وتحفز دائم.

ما سر التصاقك الدائم بالقصة القصيرة؟ حتى تغيّرك الفجائي هذا جاء داخل نفس الجنس الأدبي ولم تغادر إلى كتابة الرواية أو القصيدة؟

- القصيدة كما قلت لي ذات مرة حاضرة داخل قصصي القصيرة، أما الرواية فقد راودتني في الحقيقة طويلا فكرة كتابتها، خاصة أنني كما وصفتني قد تزوجت القصة لمدة طويلة، الشيء الذي أفضى بي إلى فقدان امتيازات العاشق.
غير أني -وهذا شعور صادق من قلبي- أفضّل أن أكون مخلصا ووفيا لهذا الجنس الأدبي الجميل الذي هو في عرفي "عقيدة أدبية"، لكن دون أن تندرج ضمن أي شكل من أشكال المطلق أو المقدس.

مجموعة قصصية لأنيس الرافعي (الجزيرة نت)
إنني "مثل راهب في مدفن" كما قال جون لوك غودار عن المخرج السينمائي الملتزم بخط فني غير تجاري. كتابة القصة بالنسبة لي طقس روحي قبل أن تكون مظهرا، وفكر إشراقي قبل أن تكون حادثة. إنني ﺃنظر إلى القصة بوصفها فعل حياة داخلية سرية، وهي تعويذتي ضد الموت والفراغ والعدم، وأنا لا أضيع تعويذتي.

أنت وفي لجنس القصة القصيرة، لكن لست وفيا لمواصلة التجريب فيها. كيف تفسر ذلك؟

- يمكنني أن ﺃدعي بأنني لست قاصا تجريبيا كما شاع عن مساري في الكتابة، لأن القاص التجريبي الحق هو الذي ينفي عنه صفة التجريب، وهو الذي يخون التجريب بلا انقطاع، ولا يصير رمزا أو مرجعا أو صاحب طريقة في التجريب. 

القاص التجريبي هو الذي يمضي للبحث عن المساحات غير المخذولة للقصة، وهو الذي يدمن تغيير المواقع والمواقف والرؤى الجمالية، ويواظب على مراجعة طرق تدبير العالم القصصي في كل مرة.

كيف ترى مستقبل القصة التجريبية؟ ما معاييرك التي تعتمدها لدى كتابة نص تجريبي؟ وهل اعتمدت معايير معينة في كتابة الشركة المغربية لنقل الأموات؟

- الكاتب قد يخلق لنفسه معاييره الخاصة، لكن من الضروري لطريقة الكتابة في كل مرة أن تنتهي إلى تشكيل خطر على هذه المعايير وتحاول نسفها وإلا تحولت إلى نوع من "الأصولية التجريبية".

الجماعات الأدبية لا تصنع كاتبا، مثلها مثل البيانات. قدر الكاتب فردي بامتياز، يحمل أوجاع الكتابة في قلبه، وحيثما مالت به الكتابة يميل
ومن هنا لم ﺃعمد في هذه المجموعة الجديدة إلى كسر العمود الفقري وهو الحكاية، ولا إلى الألعاب الشكلية والتقنية الباحثة عن جماليات ما وراء القصة، لأن هذا الرهان يمثل منزلقا خطيرا.

رهان التجريب انقلب إلى خطر جسيم على التجربة القصصية من قبَل من يمارسه بطريقة غير تجريبية، وفي غياب العدة المعرفية اللازمة لإنجاز أمر حاسم من هذا القبيل. وبدل أن يكون التجريب عامل تحديث للكتابة القصصية، صار مأزقا لها.

وفي تقديري الشخصي فإن أقصى طموح للكاتب التجريبي أن يتحول في نهاية المطاف إلى كاتب كلاسيكي.

لديكم في المغرب جماعات أدبية عديدة تختص بفن القصة القصيرة كتابة ونقدا وتنظيرا ونشرا كجماعة "الكولوزيوم القصصي"، هل قدمت هذه الجماعات من خلال نشاطها كجماعة جديدا إلى المشهد القصصي؟

- دعني أقول لك إن الجماعات الأدبية لا تصنع كاتبا، مثلها مثل البيانات. قدر الكاتب فردي بامتياز، يحمل أوجاع الكتابة في قلبه، وحيثما مالت به الكتابة يميل.

الكتابة يد وحيدة وفريدة تستقر على مفرق الأحزان.. في الكتابة لست ملزما بالآخرين، لأنني لا ﺃطلب ما ليس لي، ولا ﺃعد بما ليس لدي.

المصدر : الجزيرة