عبد الرزاق بوكبة-الجزائر

تميّزت الرواية الجزائرية منذ نشأتها في النصف الأوّل من القرن العشرين بأكثر من توجه جمالي ولغوي جعلها مفتوحة على مختلف أسئلة الإنسان الجزائري وهواجسه في صراعه مع الاستعمار الفرنسي، ثم صراعه من أجل تحقيق الذات بعد الاستقلال.

وقدّمت الرواية الجزائرية أسماء كبيرة اختلفت لغتها وطبيعة نظرتها إلى الفن في علاقته بالإنسان والمكان مثل مولود فرعون ومحمد ديب ومالك حداد والطاهر وطار وكاتب ياسين ورشيد بوجدرة وواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي والحبيب السائح وغيرهم.

وفي العشرية الأخيرة ظهرت أقلام راهنت على استثمار التراث الشعبي المحلي من محكيات وأساطير وتصوّف وسيَر، وقاموس لا يحيل إلا على الهوية الجزائرية، حتى باتت تشكّل تيارا لافتا للانتباه على أكثر من صعيد. الجزيرة نت سألت عددا من الكتاب الجزائريين عن خلفيات هذا التوجه وآفاقه.

الشاعر والروائي أحمد عبد الكريم (الجزيرة نت)
سؤال الهوية
ويؤكد الروائي كمال قرور الفائز بجائزة مالك حداد -التي تشرف عليها الروائية أحلام مستغانمي- للجزيرة نت أن خياره في الرجوع إلى التراث يعود إلى مطلع الألفية الثالثة "حيث عكفتُ على قراءة وتمعن الموروثات التي تراكمت وساهمت في تكوين الذوق الجمعي للإنسان الجزائري، فاكتشفت أنها خزّان لمادة روائية خام يمكن الاستفادة منها في بناء أشكال فنية جديدة تستجيب لروح العصر ولا تنقطع عن الجذور".

ويضيف صاحب رواية "سيد الخراب" أن العمل السردي يكون حينئذ له هوية لا تحيل إلا على بيئته، لذلك فقد كانت الحكايات والأمثال الشعبية والسير والأساطير المناخَ الجديدَ الذي أقرأ من خلاله الماضي والحاضر والمستقبل معا".

وعن ما إذا كان هذا الخيار استنجادا بالماضي للهروب من الواقع قال الشاعر والروائي أحمد عبد الكريم إن توظيف التراث المحلي في تجربته الروائية لا يعد نكوصا بقدر ما كان اتجاها أملته شروط الكتابة ذاتها، وما تضمنته روايته من توظيف للتراث الصوفي الطرقي اللصيق بالفضاء المكاني والحضاري الذي ينتمي إليه في منطقة بوسعادة "هو محاولة للصعود باللحظة الراهنة، وانتشالها من عاديتها الواقعية إلى المطلق، في نزوع لتحويل الرواية ذاتها إلى تراث".

وأضاف صاحب رواية "متاهات" للجزيرة نت "أن التراث في المقابل ليس قوالب جاهزة صالحة لكل المقولات والأفكار التي يريد الروائيون التعبير عنها، بل يجب أن تمليه مبررات نابعة من داخل الكتابة الروائية نفسها، لغة وموضوعا، وليس إقحامه قسرا من أجل تمرير رسائل وأفكار".

غلاف رواية فصوص التيه لعبد الوهاب بن منصور (الجزيرة نت)
العشرية السوداء
ولم ينكر الروائي عبد الوهاب بن منصور الذي ينطلق من التراث الصوفي لمنطقة تلمسان في كتاباته السردية دور عشرية العنف التي عاشتها الجزائر في ظهور هذا التيار من الروائيين الجزائريين المشتغلين على التراث المحلي، ذلك أن هذه التجربة القاسية -حسبه- فرضت على نخبة من الكتاب الجزائريين العودة إلى التراث ومساءلته من خلال الوقوف على خصائصه المميّزة، وتوظيفه روائيا قصد تحويل الواقع المعيش والمرير إلى عالم سحري يتعدّى الزمان والمكان.

وأكد بن منصور في تصريحه للجزيرة نت أنه "كان لزاما على الكاتب الذي عايش العشرية السوداء، بكل تفاصيلها من قتل ودمار باسم الدّين، أن يؤصل بعض القيم الإنسانية كالحب والتسامح، وذلك بتقديم نموذج آخر ينافس ويضاد نموذج  التطرف والعنف، وفي الوقت نفسه يجادل للإبقاء على الأمل حيا من أجل تخطي الأزمة".

ولا يجد الكاتب رابح ظريف حرجا في الإقرار بأن لجوأه إلى هذا الخيار فيه شيء من الهروب من الواقع بحثا عن الذات الإنسانية المفقودة سواء في حياته الخاصة التي يرى أن الطفولة أهم مرحلة فيها، أو في واقع المجتمع، الذي أصبحت الأبعاد الإنسانية آخرَ انشغالاته.

ويؤكد صاحب رواية "قدّيشة" التي استلهم فيها حياة شخصية أسطورية في منطقة الحضنة الهلالية على أنه لا يهمّه حجم التغييرات التي طرأت على الحدث، بقدر ما يهمه الجانب الإبداعي في الحكاية الأسطورية التي تنتشر كثيرا في بيئته.

الروائي الخير شوار (الجزيرة نت)
حداثة التراث
ويرى الروائي عبد القادر برغوث أن التراث المحلي بلغته وخصوصياته هو الذي يعطي للعمل الإبداعي أصالته في خضم النصوص المتشابهة، والقوالب الجاهزة نافيا أن يكون توظيفه متعارضا مع الحداثة التي تؤمن أصلا بحرية الخيارات، واعترف برغوث في تصريحه للجزيرة نت بأنه واجه الكثير من الصُعوبات في ذلك خاصة من الناحية الفنية لأن هناك فرقا بين الحكاية والرواية، وكشف برغوث أن روايته القادمة "آبار العطش" لا تبتعد عن هذه الأجواء التي توفر له مساحات شاسعة من البوح.

من جهته أبدى الروائي الخيّر شوّار امتعاضه من إدراج كتاباته ضمن سياق معيّن، مشيرا إلى أن أجمل النصوص، وأكثرها تأثيرا هي تلك التي تنطلق من الذات، ومن المحلية، وهذا هو المفهوم الحقيقي للحداثة في نظره.

المصدر : الجزيرة