إدوارد كامينغز .. الكاتب المتمرد
آخر تحديث: 2011/9/17 الساعة 15:46 (مكة المكرمة) الموافق 1432/10/19 هـ
اغلاق
خبر عاجل :الأمم المتحدة تحمل التحالف بقيادة السعودية المسؤولية عن مقتل 20 مدنيا في غارة باليمن
آخر تحديث: 2011/9/17 الساعة 15:46 (مكة المكرمة) الموافق 1432/10/19 هـ

إدوارد كامينغز .. الكاتب المتمرد

غلاف الترجمة الفرنسية لديوان "يساوي خمسة" لإدوارد كامينغز (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

لم يبالغ الشاعر والناقد الأميركي مالكوم كولاي بقوله، بعد عشر سنوات على وفاة مواطنه وصديقه الشاعر الكبير إدوارد كامينغز (١٨٩٤-١٩٦٢)، إن هذا الأخير يبقى النموذج المثالي للكتّاب الأميركيين المتمردين، وأن ديوانه "يساوي خمسة" هو الأكثر حياةً بين دواوينه الشعرية.

ولا يزال هذا الديوان يثير اهتمام الكثير من الباحثين في الشعر الطليعي عبر العالم إلى اليوم، ولعل أفضل مثالٍ على حيوية هذا العمل ترجماته التي لا تُحصى له، آخرها الترجمة الفرنسية للمترجم القدير جاك دومارك.

ومثل جميع كتب كامينغز، يسلّط ديوان "يساوي خمسة" (١٩٢٦) الضوء على مرحلة معينة من حياته كان خلالها شابا بوهيميا، قطع علاقته بأصوله البورجوازية والمثقفة.

غلاف ديوان "لا، شكرا" (الجزيرة نت)
الديوان الأول
ومقارنة بمجموعته الشعرية الأولى "زنابق ومداخن"(١٩٢٢) التي اضطر إلى تقطيعها وتوزيع قصائدها على ثلاثة كتب، يمكن اعتبار "يساوي خمسة" ديوانه الأول الحقيقي نظرا لى تمتعه بديناميكية واضحة تربط أجزاءه ببعضها بعضا

فمن واقع جماعي يهزأ كامينغز من تفاهته وسطحيته ثم يندّد بنتائجه الخطيرة: الحرب، نجده يعبر، بعد بضع انطباعات سفر، إلى حقيقة الحلم والحب الفردية التي تقود حتما إلى مساءلةٍ جوهرية للذات والفن.

وبالقدر الذي تأثرت فيه قصائد "زنابق ومداخن" بالرومنطيقيين الإنكليز، ينتفض ديوان "يساوي خمسة" على هذا الإرث، حيث اعتبركامينغز-مثل معظم المحدثين في بلده آنذاك-أن الثقافة الأوروبية لم تمنع بربرية الحرب العالمية الأولى، وبالتالي فهي مسؤولة عنها.

لكن ذلك لا يعني أن الشاعر كان سعيدا في محيطه الأميركي. فبخفةٍ وحيوية نادرتين يسخر في هذا الديوان من الشعور الوطني المفرط لدى الأميركيين، ومن مجتمع يكرّم الأقوياء، على الرغم من جبنهم وفسادهم، ويرصد للبؤساء عكازاتٍ أو السجن، قبل أن يستعرض آفات الأيديولوجيا الأميركية، وتوجهها المادي الذي يؤمن بالتقدم التقني والمصلحة الفردية.

واستعان كامينغز في ذلك، بحس تحريضي ونقدي فريد كان يمكن أن يقوده إلى الالتزام السياسي لولا حذره من المجموعات والتكتلات واهتمامه الحصري بالأفراد، وخصوصا الفقراء والهامشيين منهم، لا لوضعهم المادي المزري بل لشخصياتهم الجذابة.

وفي هذا السياق تجدر قراءة قصيدة "الأميركيات الخمس" حول بنات الهوى والبورتريهات القارصة التي رصدها لشبان وشابات الحفلات الراقصة السطحيين، أو تلك الرقيقة التي خصّ بها الرفاق الذين سقطوا أثناء مقاومتهم آلة الحرب، أو متسول يشحذ قليلا من الحب، أو مُشعِل فوانيس الشوارع بعصاه السحرية، أو قلبٌ سكران.

مقاومة النموذج الأميركي
بين مايو/أيار١٩٢١ وديسمبر/كانون الأول ١٩٢٣، استقرّ كامينغز في باريس التي شكّلت، في نظره، مثال المقاومة لنموذج التقدّم الأميركي. وفي هذه المدينة كتب بعض قصائد ديوان "يساوي خمسة"، وتعرّف إلى تريستان تزارا ولويس أراغون. ومع أنه لم ينتم إلى أي حركة طليعية، لكن طبيعة شخصيته وكتابته الشعرية وضعته حتما في حالة تناغمٍ مع الدادائية ومضمون بياناتها الصاعِق.

يأخذ الهجاء الاجتماعي والسياسي في ديوان "لا، شكرا" شكلا أكثر جدية يسمح لكامينغز بتوجيه نقدٍ أخلاقي لاذع ومحكم لأنماط التفكيرالسائدة، والعيش بشخصية مختلفة
فمثل وجوه هذه الحركة، مارس الشاعر منذ عام ١٩١٦ السخرية والعبث وحول الأشياء أوالنصوص عن وظيفتها الأولية، وزعزع علم النحو الذي احترمه السرياليون، وسخر من التقدّم التقني الذي بجّله المستقبليون، وفضّل الحفلات الشعبية العفوية على الإرث الثقافي.

 الفارق الوحيد بينه وبين الدادائيين هو أنه كان أكثر حساسية إلى السياسة وأكثر شهوانية على مستوى الحب، مما جعله يتبنّى خياراتٍ جمالية حميمية أكثر منها فكرية.

وعلى المستوى الكتابي، قاد كامينغز اختباراتٍ مشابهة لاختبارات تزارا وهوغو بال وراوول هاوسمان عبر استخدامه في الفترة ذاتها علامات الوقف وحروف الطباعة كوسائل تعبيرية فعّالة، بدون أن يعبر حدود الأدب في اتجاه الفنون التشكيلية، كما فعل غييوم أبولينر في قصائده التصويرية.

أما ديوان كامينغز الآخر، "لا، شكرا" (١٩٣٥)، الذي صدرت ترجمته الفرنسية هذا العام أيضا من دار النشر ذاتها، فتتطلب منا قراءته العودة إلى دفتر رحلته إلى الإتحاد السوفياتي عام ١٩٣٣، الذي وصف فيه حالة البؤس المادي للشعب الروسي وخضوع المفكرين فيه إلى التعليمات الأيديولوجية للحزب الشيوعي.

فعلى إثر صدور هذا الدفتر في العام ذاته، ابتعدت عن الشاعر جميع الطلائع التي كان يعاشرها في نيويورك وباريس، وكانت لا تزال مفتونة بالثورة البولشيفية ومُثلها الاشتراكية، الأمر الذي قاده إلى تعميق موقفه، لا لتفسيره، بل لبسطه على كامل ميدان الحياة وتحويله إلى محرّك كتابته الحي.

ويظهر ذلك بقوة في ديوان "لا، شكرا" الذي يأخذ فيه الهجاء الاجتماعي أو السياسي الحاضر في ديوان "يساوي خمسة" شكلا أكثر جدية، يسمح لكامينغز بتوجيه نقدٍ أخلاقي لاذع ومحكم لأنماط التفكيرالمنتشرة، والعيش بشخصية مختلفة عن تلك السائدة في أميركا والاتحاد السوفيتي معا.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات