روبن داريو اشتهر بقصيدته التي كتبها إلى الطفلة مارغريتا ديبايله

غدير أبو سنينة-ماناغوا

لم تكن السيّدة مارغريتا ديبايله تدرك أنّ اسمها سيظلّ مرتبطا في أذهان النيكاراغويين بشاعرهم الكبير وأيقونة أدبهم الحديث روبن داريّو.

كانت مارغريتا وهي طفلة في عامها السابع، عندما طلبت من الشاعر أن يقص عليها حكاية. وهو مستند إلى صخرةٍ في خليج كورينتو عام 1907 كتب داريّو قصيدته الشهيرة "إلى مارغريتا ديبايله"، التي تعد من أجمل قصائده وأشهرها وأكثرها شعبية، ومن النادر أن تلتقي نيكاراغويّا لا يحفظ عن ظهر قلب مطلع القصيدة الذي يقول:

مارغريتا.. كم هو جميل البحر
والريح، تحمل رائحة زهر البرتقال النّفّاذة
أشعر بقبّرة تُغنّي في روحي،
مارغريتا.. سأروي لك حكاية..

يحيلنا داريو في قصيدته إلى عالم من السّحر والرّومانسية وهو الّذي تأثّر بالاتجاه الرومانسي والتّجربة الشّعريّة الفرنسيّة
عبقرية شعرية
لم تكن القصيدة الّتي كُتبت خصّيصا للطفلة ذات سبع السنوات على مروحتها الورقيّة عندما كان مدعوّا لدى صديقه -والد مارغريتا- في منزلهم الصيفي سوى عمل فني متقن يأسر الكبيرَ والصّغير في آن، ويكشف عن عبقرية داريو الشعرية.

وتبدأ القصيدة بالطريقة الكلاسيكيّة للرّوايات.. يُحكى أنّ، ولم يغفل فيها عناصر التّشويق الأخرى التي تأخذ بقلوب الأطفال، الملك صاحب القصر الماسي، والأميرة التي صعدت إلى السماء. وهي تشير كذلك في أبعادها الأخرى إلى طبيعة الصراع الذي كان يدور في ذهن الشاعر بين الشك واليقين والكفر والإيمان.

والقصيدة التي تنسجم مع عقلية الأطفال ستشنفُ آذان البالغين أيضا ليس لموسيقاها وتسلسل حبكة القصة فيها فحسب، بل لأنها ستعيدهم إلى عوالم الطفولة والخيال الجامح والأحلام التي تاهت في المجتمع المادي.

وعلى يد الرّوائي الأشهر سيرهيو راميرس تحولت القصيدة الشهيرة في نيكاراغوا إلى رواية استحقّت عن جدارة جائزة ألفاغورا الإسبانية عام 1998، إذ تبدأ جميع فصولها بأحد أبيات قصائد داريّو، وتروي جزءا من سيرته فَتحيله كائنًا من لحم ودم وأحاسيس.

  قصيدة داريّوالشهيرة "إلى مارغريتا ديبايله" تعد من أجمل قصائده وأشهرها وأكثرها شعبية، ومن النادر أن تلتقي نيكاراغويّا لا يحفظ عن ظهر قلب مطلعها
رومانسيّة داريّو
كما تبرز عبقرية الشاعر في تضمين قصيدة من المفترض أنها موجّهة لطفلة فكرة الموت فيطلب منها في القصيدة أن تذكر كيف روى لها الحكاية في القصيدة وتنتهي القصيدة بـ: جميلةٌ هي الأميرة، وهاهي النجمة تلمع قي طرف الدبوس.. وتصبح قصيدة، لؤلوة، ريشة وزهرة..

وهنا يحيلنا داريو إلى عالم من السّحر والرّومانسية وهو الّذي تأثّر بالاتجاه الرومانسي والتّجربة الشّعريّة الفرنسيّة وخاصة الشاعر والروائي الفرنسي فيكتور هوغو، حتى أوجد لنفسه خطّا مستحدثاَ استحقّ عليه لقب رائد الحداثة في الأدب الإسباني.

روبن داريو المولود عام 1867 في مدينة ميتابا (سيوداد داريو) حاليا، عاش طفولته مع أجداده، وتنقّل بين عدة دول في أميركا الَّلاتينيَّة ثم أوروبا حيث عمل كدبلوماسي غير مدفوع الأجر وإن كانت وظيفته الأساسيّة التي يعتاش منها والتي ساهمت إلى حد كبير في تعريفه في العالم هي عمله كصحفي في صحيفة لاناسيون الإسبانيّة. 

القصيدة التي تنسجم مع عقلية الأطفال ستشنفُ أيضا آذان البالغين ليس لموسيقاها وحبكتها القصصية فحسب بل لأنها ستعيدهم إلى عوالم الطفولة والخيال الجامح والأحلام التي تاهت في المجتمع المادي
سحر الشّرق
وعرف داريّو صاحب "النّشيد التائه" و"شوك" و"نشيد ملحمي لأمجاد تشيلي" و"أزرق" وغيرها بإعجابه الشديد بالثّقافة العربيّة وكان مأخوذا بسحر الشّرق كما يبدو ذلك في أعماله مثل "ألف ليلة وليلة".

وفي قصيدته "رواق" التي ترجمها الأستاذين إدريس الجبروني المصمودي ومحمد القاضي يُحَدثنا عن ملقة وإشبيلية وعن الغناء الأندلسي ورقصة الفلامنكو ثم يعود بنا إلى الماضي والمكان هو شبه الجزيرة العربية حيث تذهب ملكة سبأ في رحلةٍ إلى القدس كي تزور سليمان الحكيم.

"في كنوز ملكة سبأ
تحفظ في سرية إشارات سماوية
أسهم من النار في جعبة نشابها السحري
لآلئ، وياقوت، والياقوت الأزرق، والأحجار الكريمة".

أما قصيدة "الوردة الطفلة"، فهي انعكاس لتأملاته الروحيّة والدينيّة التي يستلهمها من فلسطين مهد الديانات فيقول:

في فلسطين
كريستالٌ وذَهبٌ ووردة
والفجرُ
يخرج ثلاثةُ ملوكٍ لعبادة الملك
قبسٌ إلهي يملأُ زهرة الطفولة.

المصدر : الجزيرة