فوزي صالح: أفلامي تحتفي بالمهمشين
آخر تحديث: 2011/9/10 الساعة 05:26 (مكة المكرمة) الموافق 1432/10/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/9/10 الساعة 05:26 (مكة المكرمة) الموافق 1432/10/13 هـ

فوزي صالح: أفلامي تحتفي بالمهمشين

المخرج فوزي صالح (الجزيرة نت)

حاوره بالقاهرة/ محمد الحمامصي

تحمل الرؤية السينمائية للمخرج الشاب فوزي صالح أبعادا سياسية وثقافية واجتماعية عميقة، حيث تبدو أفلامه التسجيلية ولغته السينمائية فيها لصيقة بهموم الناس ومنحازة إلى البسطاء والمهمشين منهم، وترتكز خاصة على الثقافة الشعبية والقيم الإنسانية التي تحملها.

كتب المخرج الشاب الكثير من الأفلام التسجيلية والروائية، وفاز فيلمه التسجيلي "جلد حي" بأكثر من جائزة، وهو يعكف على اللمسات الأخيرة لفيلم وثائقي جديد، ويستعد في الوقت نفسه لفيلمه الروائي الأول الحائز أخيرا على منحة "سند" من مهرجان أبوظبي السينمائي. حول مشاريعه السينمائية وطموحاته وتصوره لمستقبل السينما المصرية، كان للجزيرة نت الحوار التالي معه:


أخيرا فزت بمنحة سند التي يقدمها مهرجان أبوظبي السينمائي للعام 2011 عن سيناريو لفيلم روائي طويلة بعنوان "ورد مسموم"، الأمر الذي سيمثل نقلة مهمة لك، حدثنا عن الفيلم الذي سيكون فيلمك الروائي الأول وتصوراتك الإخراجية له؟

- أسعى إلى صياغة لغة سينمائية مستمدة من الأنساق الجمالية والمعرفية للثقافة العربية، وبخاصة المرتبط منها بالثقافة الشعبية المصرية، حيث يظهر فيها نوع من الخصوصية سواء بمفهوم الصورة عند المصريين، وكذلك مفهوم الزمان والمكان، وبناء الكادر، ومفهوم الضوء والظلام، باختصار استحداث شكل مغاير للمتخيل السينمائي السائد وانفتاحه على آفاق تجريبية تحاول التعبير عن الذات.

أحد مشاهد فيلم "جلد حي" للمخرج فوزي صالح (الجزيرة نت)
كما أحاول استكشاف إطار سينمائي يتمتع بهوية تميزه عن غيره، مرتكزا على الثقافة الشعبية من خلال مفهوم خاص للصورة، يتجاوز النمط السردي السائد في الأفلام المصرية عبر استخدام تقنيات حكائية مغايرة وتفتيت الزمن، كما في الحكايات الشعبية كألف ليلة وليلة.

إن البيئة التي عشت فيها -وهي التي لا تختلف كثيرا عن بيئة المدابغ  وبشرها- بيئة غارقة في الميثولوجيا التي بدورها تتحكم في الإنسان لتنتج عالم شديد الواقعية، يستعير عناصره ومكوناته من الحياة اليومية وقسوتها، ومن ثم تطرح الأسئلة حول الذات الفردية والواقع شديد التعقيد الذي تعيشه.

الاحتفاء بهؤلاء البشر بوصفهم أبطالا حقيقيين، لكنهم منسيون ومهمشون خلف سور المدابغ، ويستطيعون بالرغم من الظروف الاقتصادية أن يمارسوا بعضا من إنسانيتهم عبر علاقات الحب والصداقة، كذلك احتفاؤهم بالحياة ومتعها المتاحة لهم بالرقص والغناء وخلافه.

تعود لعوالم المدابغ بعد فيلمك السابق "جلد حي" الذي يحكي عن مجموعة من الأطفال العاملين بالمدابغ، ألا تخشى من التكرار، أو من أن يهاجمك البعض بأنك تستند إلى نجاح فيلمك السابق؟

أشتغل على الأفلام لأرد الصاع صاعين لكل من يشوهون هذا العالم، ويقيمون بنيانا للظلم والكراهية، لعلي بذلك أكون محرضا للبعض على الحلم بالتغيير
- "ورد مسموم" اسم مؤقت للفيلم ربما سيراه البعض امتدادا لفيلم "جلد حي"، حيث السؤال هنا ماذا سيحدث لو كبر هؤلاء الأطفال، وماذا سيكون مصيرهم، هل سيظلون مهمشين ومهملين داخل السور، أم سيستطيعون أن يجدوا منفذا للهرب من جحيم المدابغ الخانق هذا؟!

قلت إنك تحاول التعبير عن الثقافة الشعبية من خلال فيلمك، كيف ستعبر عن الثقافة الشعبية المصرية؟ وهل هي محاولة لضمان جمهور واسع؟

- أحاول إيجاد صورة سينمائية تحاكي الصور المرسومة على جدران البيوت في الأحياء الشعبية والعمالية بمصر، صورة ذات بعدين من ناحية، ومن ناحية أخرى يتشكل شريط الصوت داخل الفيلم من مزيج يضم الأغاني الشعبية والمواويل بالإضافة إلى "الحواديت" الشعبية.

فالتعبير عن الثقافة الشعبية بالنسبة لي ليس كما درجت الأفلام المصرية على تقديمه في طريقة الملبس والكلام، بقدر ما أحاول التماس هذه الثقافة والاحتفاء بها وبالقيم الإنسانية التي تحملها.

هل ترى همك الأول هو الانشغال بالقضايا الاجتماعية في إطار فني، خاصة أنك آت من خلفية سياسية يسارية؟

- كان لدي هذا التصور عن نفسي في البداية كمراهق طوباوي، كنت مهتما بالمضمون الاجتماعي من أجل تغيير العالم، بهدوء شديد هل الفن يغير العالم ؟ إجابتي كانت لا، إذن لماذا أصنع الأفلام؟ أجيب أصنع الأفلام لأنني لا أستطيع تغيير العالم، ببساطة خذ هذا المثال لعله يوضح قصدي، صفعني العشرات من رجال البوليس، ولم أستطع أن أرد لهم هذه الصفعات، فهل تتوقع أن يتوقف البوليس عن صفع الفقراء لأنني كشفت هذا في فيلمي؟

أحاول استكشاف إطار سينمائي يتمتع بهوية تميزه عن غيره، مرتكزا على الثقافة الشعبية من خلال مفهوم خاص للصورة  يتجاوز النمط السردي السائد في الأفلام المصرية
أشتغل على الأفلام لأرد الصاع صاعين لكل من يشوهون هذا العالم، ويقيمون بنيانا للظلم والكراهية، لعلي بذلك أكون محرضا للبعض على الحلم بتغيير هذا العالم.

في طفولتي حلمت بأن أكون روبن هود يسرق الأغنياء الظالمين ليعطي الفقراء المظلومين، فشلت، في مراهقتي حلمت أن أكون زعيما سياسيا وكالعادة فشلت، لذا أنا الآن اشتغل بصنع الصور.

نحاول أن نرى ملامح لفيلمك لذا نسألك: من ترى نفسك امتدادا له من المخرجين المصريين أو العالميين؟ أي السينمات أقرب إليك؟

- فيلمان أوقعاني في حب السينما، "أحلام هند وكاميليا" لمحمد خان، و"يوم مر.. يوم حلو" لخيري بشارة، شاهدتهما طفلا من ثقب في باب السينما بمدينة بورسعيد "المدينة التي نشأت فيها"، أيضا "تعليم سيئ" للمخرج الإسباني بيدرو المودوفار، وهو فيلم مختلف عن "يوم حلو.. يوم مر"، و"أحلام هند وكاميليا".

كل مشاهداتي تشكل في داخلي شيئا ما، شاهدت الآلاف من الأفلام، جميعها تركت في نفسي أثرا ما. هناك أيضا -إلى جانب مشاهدة الأفلام- المشاهدات اليومية في الشارع والموسيقى والفنون التشكيلية والحكايات والسير الشعبية وخبرات الطفولة، لكن صاحب الأثر الأكبر داخلي هو الشارع الذي عشت فيه سنوات طوالا.

أيضا فزت أخيرا بمنحة مؤسسة المورد الثقافي لإنتاج فيلم وثائقي بعنوان "في انتظار الطبقة العاملة" ماذا تقصد بـ"انتظار الطبقة العاملة"، وما الأفكار التي سيعالجها الفيلم؟

- يطرح الفيلم رؤية خاصة لي حول الثورة المصرية، حيث أرى أن الثورات دائما تنطوي على معركتين متداخلتين تدوران في الوقت نفسه، الأولى ديمقراطية تقودها الطبقة البرجوازية، وتنضم إليها الطبقتان الوسطى والعاملة، بالإضافة إلى فقراء ومعدمي المدن، ويكون الهدف هنا هو إسقاط السلطة السياسية وإجراء بعض التغييرات في نظام الحكم.

أما المعركة الثانية فهي "اقتصادية اجتماعية"، تخوضها الطبقة العاملة وعموم الكادحين ضد أصحاب الثروة بغرض تحقيق العدالة والمساواة، فالفيلم يميط اللثام عن المعركة الثانية التي تواجه هجوما من السلطات الحاكمة وإعلامها، واصفين إياها بتحركات فئوية مدانة ويجب إيقافها فورا. وينشغل الفيلم بمحاولة تشريح الثورة المصرية بما فيها من تعقيدات وتداخلات.

المصدر : الجزيرة