غلاف كتاب "المدن التاريخية الثلاث" لصلاح ستيتيه (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي- باريس

يعتبر كتاب "المدن التاريخية الثلاث: تونس والجزائر وفاس" للشاعر اللبناني الفرانكفوني صلاح ستيتيه الصادر عن دار "المطبعة الوطنية" (باريس) من أجمل الكتب التي يمكن أن نقرأها باللغة الفرنسية حول هذه المدن، وهو يُشكّل سفراً حقيقياً نكتشف من خلاله الجانب الأكثر عمقا وسرّية لهذه المدن، جانب الحلم والحياة فيها.

ويبدو ذلك على مستوى نصّه الرائع الذي خطّه ستيتيه بأسلوب شعري فريد واعتمد فيه مقاربات متعددة لموضوعه، وكذلك على مستوى غنى توثيقه الفوتوغرافي الذي يعود إلى المصور الأميركي ألكسندر أورلوف.

ويعرفنا الكتاب بالصورة والنص على روائع هندسة هذه المدن وزخرفاتها الظاهرة على صروح مساجدها ومدارسها القرآنية التاريخية وقصورها، ونتوه داخل متاهات أزقتها الساحرة وفي حدائقها الخلابة وأسواقها الأسطورية التي تعجّ بألف لون ونكهة ورائحة.

نموذج من الهندسة الإسلامية كما جاء في كتاب ستيتيه

روح المدن
وفي الفصل المخصَّص لمدينة فاس -مثلا- يستوقفنا مسجد "القرويين" الذي يُشكّل بهندسته حصيلة لجميع التيارات الفنية الإسلامية خلال القرون الوسطى، كما تستوقفنا مدارس "أبو عنانية" و"العذارين" و"الصهريج" بشبابيكها الخشبية المنحوتة بمهارة فائقة.

وفي تونس يفتننا جامعا "الزيتونة" و"حمودة باشا" بهندستيهما المميزة ورخامهما الفخم، أو مدرسة "السليمانية" بقبّتها المشغولة بفن كبير. وفي الفصل المخصَّص للجزائر تبهرنا القصور ودار حسن باشا ودار بكري التي تقارع بفضاءاتها الفسيحة وزخرفتها قصر "دار حسين" في تونس، أو قصر "دار شرقي" برياضه ونافوراته الشهيرة في فاس.

أما غزارة المواد المستخدمة لتشييد هذه الصروح (رخام، وسيراميك، وجبس، وخشب، وزجاج) والتأثيرات المتعددة في الأساليب الفنية (إيطالية وتركية في تونس، وأندلسية في الجزائر وفاس) فتقودنا من دهشةٍ إلى أخرى، بعيداً عن أي رتابة.

وفي مقدمته لهذا الكتاب الضخم والكبير الحجم، يشبّه ستيتيه قلب هذه المدن التاريخي بالنواة داخل الثمرة، نواةٌ مفارِقة لكونها تحفظ كل نكهة الثمرة ولكون هذا القلب "مادة المدينة الأولى وجسدها الحقيقي ووردتها البدائية العطرة"، قلبٌ غير منعزل عن محيطه بل يحتاجه كخلفية حديثة وعبثية من الأبنية والشوارع والسيارات والمارة لتغذية اختلافه الذي يتعذّر تفسيره، ولكن أيضاً لنسج من الصخب الذي يستقبله في ساعات النهار هدوئه وصمته العميقين بعد الغروب.

وفي معرض وصفه الشعري لأسواق هذه المدن، يستحضر ستيتيه تقسيمها وفقاً للمهن التجارية والحِرَف الممارَسة فيها، متوقفاً عند خصوصيات كل منها. كما "نجد في كل مكان، المساجد وقبور القديسين موزّعة في جميع أنحاء المدينة التاريخية، وحولها المكتبات وباعة الكتب الدينية وغير الدينية".

أما المهن الأخرى فتتجمّع داخل أسواقٍ خاصة بها، كسوق اللحّامين وسوق التوابل وسوق الأحذية ومنتوجات الجلد وسوق الإسكافيين وسوق الخياطين وسوق المجوهرات وسوق النحّاسين وسوق الحدّادين وسوق النجّارين وسوق الدبّاغين وسوق السجّاد.. الأمر الذي يحوّل قلب هذه المدن إلى سوقٍ كبرى لا تضاهيها حتى مغارة علي بابا الخرافية، سوقٌ تعلّم السائر الغريب في زحمة دروبها الضيّقة الصبر والاحتكاك الحميم بالآخر وتحرّره من هاجس تحديد الزمن ووجهة السير.

تكمن أهمية هذا الكتاب في القيمة الجمالية والوثائقية لصوره الغزيرة، الكبيرة والصغيرة، البانورامية أو التفصيلية، التي تسمح لنا بتآلفٍ حميم مع هذه المدن بأحيائها وأزقّتها وسكانها ومعالمها
"
لوحة متكاملة
ومع أن شغف ستيتيه بالجانب اللازمني لهذه المدن يبدو جلياً في نصّه، فإنه لا يُهمل بُعدها التاريخي والسياسي، بل يتوقف عند دور قصبة الجزائر المركزي في مقاومة المحتل الفرنسي وفي بلوغ الشعب الجزائري استقلاله، وعند الدور المماثل الذي لعبه أبناء مدينة تونس في انتصار بورقيبة على الفرنسيين، وأبناء مدينة فاس في عودة الملك محمد الخامس من منفاه إلى سدّة الحكم وفي خروج الفرنسيين من المغرب.

أهمية هذا الكتاب تكمن طبعاً في القيمة الجمالية والوثائقية لصوره الغزيرة، الكبيرة والصغيرة، البانورامية أو التفصيلية، التي تسمح لنا بتآلفٍ حميم مع هذه المدن، بأحيائها وأزقّتها وسكانها ومعالمها، ويترافق بمهارة مع يتطرّق الشاعر إليه في نصّه الطويل.

لكن ما يشدّنا في هذا الكتاب أولاً هو نص ستيتيه بالذات الذي ينمّ عن معرفة تاريخية موسوعية وحدس شعري نادر، كما يعكس إطّلاعا عميقاً على الفنون الإسلامية وميلا كبيرا إلى التيه داخل أزقة هذه المدن التاريخية.

فإلى جانب مقاربته العلمية لأساليب الهندسة والزخرفة المعتمدة في هذه المدن، يتناول الشاعر مليّا الجانب البسيط الذي يميّز أيضاً هذه المدن، بدون أن ينسى سكانها، على اختلاف أنواعهم، وتلك الديمومة التي يعيشون في كنفها وتمنح حياتهم اليومية وقعها ونظامها وترفعها إلى حدود الخدر فتحوّلها إلى حلمٍ في وضح النهار.

المصدر : الجزيرة