الأديب الليبي عبد الله مليطان  (الجزيرة نت)

حاوره/محمد الأصفر

الأديب الليبي عبد الله مليطان عنصر نشط في الوسط الثقافي الليبي ولديه عدة برامج ثقافية يقدمها في الإذاعة والتلفزيون الليبيين، ألّف عدة كتب ترصد شعراء وكتاب ليبيا من مختلف الأجيال.

تقلد في عهد القذافي عدة مناصب ثقافية أهمها ترؤسه مجلة "الجليس" والهيئة العامة للكتاب، لكنه تضرر من القذافي ونظامه وسبق أن سجن مع أخيه في سجن بوسليم الرهيب قبل أن يطلق سراحه.

د عبد الله أنت إعلامي مخضرم ولديك أكثر من برنامج ثقافي مرئي ولديك أيضا دار نشر خاصة تنشر الكتب ومؤسسة تختص بالدراسات والبحوث الثقافية.. كيف واجهت ضغوط القذافي على المثقفين؟

- أنا لست إلا واحدا من كثير من الكتاب الوطنيين الذين اتخذوا الموقف الصحيح في اللحظة الحاسمة. وأي إنسان يحترم نفسه ويؤمن بقدسية ليبيا كاتبا أو غير كاتب ليس أمامه في هذا الظرف الحاسم من تاريخ هذا الوطن إلا أن ينحاز لليبيا الوطن لا المغنم، ليبيا الروح والوجدان.

لكن هناك بعض الكتاب رضخوا للضغوط والتحقوا بإعلام القذافي مشيعين الفتن وناشرين الكذب والإشاعات ومنتقدين الثوار والشهداء الذين يريدون الحرية.. ماذا تقول لهؤلاء؟

من مؤلفات عبد الله مليطان (الجزيرة نت)

-أنا لا أستطيع أن أخون دماء الليبيين وأنا أعرف المئات من أبناء مدينتي مصراتة ممن سالت دماؤهم نتيجة طغيان القذافي.. كيف لي أن أخون دم خالد بوشحمة ومراد بشير ومحمد الحلبوص ومئات الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل ليبيا في كل قرية ومدينة من مدن هذا الوطن لألتحق بموكب المتهافتين على المنابر الإعلامية من أجل دعم طاغية كالقذافي..

إن كل الذين ظهروا عبر وسائل الإعلام يهتفون للطاغية كانوا متبرعين متطوعين وباختيارهم طمعا في عطايا الطاغية وسعياً لاعتلاء المناصب الرفيعة في منظومة الدكتاتورية.

أنت من الأدباء الفاعلين وتقلدت عدة مناصب في منظومة الثقافة في عهد الدكتاتور منها ترؤسك الهيئة العامة للكتاب وإشرافك على عدة معارض كتب.. كيف كانت تدار الثقافة بصفة عامة أيام القذافي؟ وما تقييمك لها آنذاك وفي عهد الثورة؟

- الثقافة وغيرها كانت تتحرك في عهد القذافي خلاف عقارب الساعة.. كل شيء زمن القذافي يدار بالريموت الذي هو بين أصابع القذافي الغليظة والمتيبسة، لأن القذافي كائن شمولي في كل شيء ويزعم أنه عبقري فذ ولا مثيل له وأن بيده مفاتيح حل كل الأمور، لذلك فهو يتدخل في كل أمر، ووحده الذي يملك الحل، وكل حلوله نهائية، واضعا بهذا الزعم امتلاكه لناصية التفكير الصحيح المطلق.

هذه الأشهر التي شهدت ميلاد الثورة المباركة عرفت ميلاد عشرات الصحف والمجلات والقنوات الفضائية والإذاعية، وهي في مجملها تدار بشباب متحمس ومتعطش للتعبير بحرية عن كبت أربعة عقود

وعندما كتب القذافي خزعبلاته ابتداء من كتابه الأخضر مرورا بخراريفه المعنونة بـ"القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء" وحتى كتابه "تحيا دولة الحقراء".. عندما كتب هذه الخزعبلات تدخل في أغلفتها وشكل طباعتها.. كما تدخل أيضا في تصميم الملابس حين صمم بدله المضحكة والملونة بشتى الألوان.. والحمد لله أنه لم يفرض علينا ارتداءها..

ولهذا كانت الثقافة في ليبيا معزولة بالكامل عن ثقافة وطننا ومحيطنا الإنساني، ولولا عزيمة بعض كتابنا القوية لاختراق حصاره لما سمعت عن كاتب ليبي غيره، لذلك ستكون مهمة من سيعنى بالشأن الثقافي حالياً في غاية الصعوبة لأنه سيبدأ من الصفر.

الأشهر التي شهدت ميلاد الثورة المباركة عرفت أيضا ميلاد عشرات الصحف والمجلات والقنوات الفضائية والإذاعية، وهي في مجملها تدار بشباب متحمس ومتعطش للتعبير بحرية عن كبت أربعة عقود من القيود التي كبله القذافي بها.. لا أستطيع تقييمها الآن لكن مع مرور الوقت ستتمخض عنها صناعة حقيقية لإعلام ليبي يمثل الإبداع الحقيقي لليبيين الذين حرموا طوال سنوات حكم القذافي من إسماع صوتهم للعالم الذي سيذهل بلا شك من أن في ليبيا إبداعا ومبدعين مثلما أذهلت ثورة 17 فبراير كل العالم بأن في ليبيا رجالا يصنعون المستحيل.

لو أن نظام ليبيا الجديدة نظم معرضا دوليا للكتاب فما المقترحات التي يمكنك أن تقدمها للجان المعرض في هذا الخصوص؟ وما موقفك من رقابة الكتب؟

- الكتاب إلى جانب كونه ثقافة هو صناعة أيضاً، وكنت أطالب دائما بأن ننشئ مطابع للكتاب داخل البلاد كي نقلل من تكاليف هذه الصناعة ويكون الكتاب في متناول كل قارئ، لكن ذلك لم يتحقق.

عندما نصل إلى اتخاذ القرار بإقامة المعرض لا بد أن نحدد المكان المناسب له ليكون معروفاً ومعلوماً للجميع، وهو أسلوب متعارف عليه في أغلب المعارض العربية والعالمية.

أما عن الرقابة فإن موقفي واضح منها وقد قلت ذلك منذ سنوات.. لا رقابة على الكتاب وخاصة في عصر الفضاء المفتوح الذي لا يستطيع أحد أن يمنعك من قراءة ما تريد ووقت ما تريد وأي كتاب ترغب بالضغط على زر واحد فقط.

هل تشعر بأن هذه الثورة قد أعادت إلى مثل هذه المكتبات والكتب اعتبارها؟ وما شعورك وأنت ترى الكتاب الأخضر وكل الكتب الأيديولوجية والإعلامية التي بدد القذافي على طبعها ونشرها قسما كبيرا من ثروة الشعب الليبي وهي تحرق وتداس بالأقدام؟

حدث بحجم ثورة 17 فبراير وتضحيات الشعب الليبي العظيم صانع هذه الثورة يحتاج إلى سرد طويل مفصل لا تسعه إلا الرواية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن فن العصر الآن هو الرواية
- ثورة 17 فبراير ليست ثورة جياع إنها ثورة عطاشى، لكن ليس للماء إنما للحرية والكرامة، ثورة لا علاقة لها بالمادة، بل بروح التحرر والحرية ومحاربة الطغيان والتسلط، لذلك فإنني مطمئن جداً إلى أن الحياة الثقافية في ليبيا الثورة ستزدهر وتنمو، وما حرق الكتاب الأخضر وشروحه ودوسها بالأقدام إلا انتصار لثقافة الحرية والتحرر والتنوع على ثقافة القهر والاستعباد والصوت الواحد والتي فرضها القذافي علينا طيلة أربعة عقود..

وحتما سيجد الكتاب العناية والاهتمام الذي يليق به كوعاء للمعرفة التي رغم الشعارات التي كانت ترفع منادية بحريتها كانت مقيدة بأيديولوجيا القذافي الذي هو المبتدأ والمنتهى في كل شيء..

ماذا تقول للأستاذ أحمد إبراهيم الابن الأيديولوجي للقذافي ورئيس مكتب اللجان الثورية ووزير التعليم العالي وهو غير حاصل على دكتوراه والذي أحرق كتب اللغات الحيّة ومنع تدريسها في المدارس والجامعة لسنوات؟

- نموذج كأحمد إبراهيم كان أصلاً مجنداً للتخريب لذلك وضع على الرأس، ففي عهده ألغيت جامعات ومراكز بحثية واستبدلت بعض المناهج بغيرها مما لا فائدة منها ودفع بعناصر سيئة إلى الجامعات كأعضاء هيئة تدريس وأقصى عددا كبيرا من أساتذة الجامعات الأكفاء، ثم ألغيت اللغة الإنجليزية من جميع الأقسام والمراحل لتحل بدلا منها السواحلية والهوسا التي لا فائدة من تدريسها سوى إرضاء سيادة العقيد ملك ملوك أفريقيا وطاغية العصر بلا منازع.

وها نحن اليوم نجني نتاج هذا العبث الذي ألحقه أحمد إبراهيم تنفيذا لأوامر الطاغية وهلوساته.. كل الشباب في منطقتنا العربية اليوم يتكلمون أكثر من لغة غير العربية ويقتحمون مجالات العمل في كل الساحات، في حين أن شبابنا يعانون من مشكلة اللغة وتوصد أمامهم فرص العمل بسبب قرارات التجهيل المتعمد التي فرضها القذافي وأزلامه.

الآن بعد الثورة استطاع المجتمع الليبي أن يجمع هوياته المتشظية من أمازيغية وتبو وطوارق، فكيف ترى الثقافة في ظل الحرية المتاحة الآن؟ كيف ستتنوع وسائل التعبير وتمتزج؟ وما الأدب والفن الليبي الأصيل الذي ستنتجه هذه الأطياف جميعها صحبة الطيف العربي الذي ساد المشهد لأزمان طويلة؟

- ستتحول ليبيا بفعل هذه الثورة إلى أنموذج ومثال من حيث تعايش مكوناتها خاصة وأن جميعهم يدينون بعقيدة واحدة وهي الإسلام.. أما تنوع هوياتها فإنما يشكل في مجموعه هوية واحدة رغم اختلاف تفاصيلها المتمثلة في الشخصية الليبية التي حاربها القذافي بكل قوة لأنها تجمع الليبيين جميعاً..

لذلك فإن المناخ الذي توفره ثورة 17 فبراير لليبيين سيعزز من تمسكهم بالشخصية الليبية وسيثري بلا شك التنوع والاختلاف الذي تمثله أطياف المجتمع الليبي جميعها.. حيث سينتج عن ذلك أدب وفن ليبي يؤكد أصالة ليبيا وعمقها التاريخي حتى وإن اختلف التعبير عنه باختلاف وتنوع اللغات التي سيكتب بها.

في سنوات ماضية ألفت عدة أنطلوجيات للشعراء والقصاصين والكتاب الليبيين من الجنسين وهو عمل جيد رصد كل الأنشطة الليبية، ومن ضمن الكتاب الذين أدرجتهم في الأنطلوجيا ووضعت له صورة كبيرة، الكاتب معمر القذافي.. الآن بعد سقوطه هل سيتم حذفه في الطبعة القادمة؟

ثورة 17 فبراير ليست ثورة جياع إنها ثورة عطاشى، لكن ليس للماء إنما للحرية والكرامة، ثورة لا علاقة لها بالمادة، بل بروح التحرر والحرية ومحاربة الطغيان والتسلط
- الأنطلوجيات أو المعاجم التي تحدثت عنها، وكما في مقدماتها هي أعمال توثيقية لرصد الواقع، ليس فيها رأي يقدم كاتبا عن آخر ويفضل هذا عن ذاك.. هي رصد لما هو كائن والقذافي كان واحدا ممن كانت له كتب. وقد وضع في سياق الترتيب العام لهذه المعاجم.. أما حذفه أو بقاؤه فهو يرجع إلى المنهجية العلمية التي ستعتمدها لجنة الطبع فهي التي تحكم ببقائه من عدمه.

في ظل الثورة والحرية الآن، هل سيتطور الإبداع الأدبي في ليبيا؟ وأي جنس أدبي سيكون له التفوق والانتشار عربيا وعالميا؟

- لا شك أن ثورة 17 فبراير ستعطي الإبداع الأدبي نفسا جديدا ومدى أكثر اتساعا وحرية.. وأحداث هذه الثورة ستتربع على عرش الإبداع الليبي الذي لن تعبر عنه في رأيي إلا الرواية. لأن حدثا بحجم ثورة فبراير وتضحيات الشعب الليبي العظيم صانع هذه الثورة يحتاج إلى سرد طويل مفصل لا تسعه إلا الرواية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن فن العصر الآن هو الرواية.

ما شعورك بعد خروجك من بوابة رأس جدير؟

- كان بمثابة خروجي من سجن بوسليم يوم أن اقتدت إليه في العشرين من عمري أيام أحداث ما كان القذافي وإعلامه يسميها أحداث الكلاب الضالة.. خرجت من سجن بوسليم ولم يخرج أخي الذي شاءت الأقدار أن يخرج لاحقا ثم يعود بعد ذلك لتغادره روحه الطاهرة إلى جوار الله.. كنت وأنا خارج أفكر في أخي.. حين خرجت من رأس جدير انتابني ذات الشعور أنا خرجت لكن ستة ملايين من إخوتي تركتهم ورائي في ليبيا ماذا سيحل بهم لو دام الطاغية.

المصدر : الجزيرة