الروائي عمار علي حسن (الجزيرة نت)

حاوره في القاهرة/ محمد الحمامصي

في روايته "شجرة العابد" يغوص الروائي عمار علي حسن في إبداعات الثقافة الصوفية وتجلياتها فكرا وذائقة ومسلكا وطريقا ولغة مبهرة، وضمن نفس ملحمي يتنقل في عالم سحري وطقوس غرائبية وشخوص من عالم الإنس والجن، في رحلة بين الأرض والسماء والبحر والأرض والشك واليقين.

وحاول الروائي المصري أن ينسج نصا جديدا يختلف عما ورد في الأساطير العربية الشهيرة مثل "ألف ليلة وليلة" و"حمزة البهلوان" و"سيف بن ذي يزن" و"السيرة الهلالية" وغيرها، مؤسسا بذلك للواقعية السحرية العربية الخالصة في الرواية المعاصرة.

حول هذه الرواية، التي رشحتها دار نفرو للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" لدورتها الخامسة، أجرت الجزيرة نت معه هذا الحوار:

كيف استفدت من دراستك للصوفية في روايتك "شجرة العابد"؟

على مدار قرون عديدة مثلت الصوفية رافدا من روافد الواقعية السحرية في الأدب العربي، ليس فقط من زاوية طرحها لقضية "كرامات الأولياء" بشكل مبالغ أحيانا، لكن  من خلال لغة الصوفية الساحرة التي أنتجت نصا جذب انتباه العالم بأسره، علاوة على ما فيه من مضمون إنساني
- الصوفية بدأت في مصر حالة فردية على يد ذي النون المصري الذي توفي سنة 245 هـ، لكنها تحولت إلى ظاهرة اجتماعية على يد صلاح الدين الأيوبي الذي أنشأ تكايا وخانقاوات للمتصوفة لينقطعوا فيها للذكر وتوفر لهم الدولة ما يكفي حياتهم، وكان هدفه في هذا استخدام التصوف السني في الإجهاز على التشيع الذي نشره الفاطميون في مصر.

منذ ذلك التاريخ أنتجت الصوفية ظواهر اجتماعية وطقوسا فلكلورية وأساطير على ضفاف الدين والتدين تشكل المادة الخام للأدباء. وقد نهل الشعراء من لغة الصوفية وأذواقها ومواجيدها الكثير، واهتم كتاب القصة والرواية بطقوس الصوفية وأحوالهم وعلى رأسهم نجيب محفوظ الذي ظهرت الصوفية في روايته "رحلة ابن فطومة" و"اللص والكلاب" ومجموعته "حكاية بلا بداية ولا نهاية" وغيرها، وكتب عبد الحكيم قاسم رائعته "أيام الإنسان السبعة" عن طريقة صوفية.

وبالنسبة لي فقد كانت أطروحتي للماجستير حول "دور الطرق الصوفية في التنشئة السياسية للمصريين" وأعددت بعدها أبحاثا ودراسات عديدة حول الدور السياسي للمتصوفة، وطورت أطروحتي حتى ظهرت في كتاب من سبعمائة صفحة بعنوان "التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر: ثقافة الديمقراطية ومسار التحديث لدى تيار ديني تقليدي" وقد نال الكتاب جائزة الشيخ زايد في فرع التنمية وبناء الدولة عام 2010.

أما عن استعمال الصوفية في إنتاجي الأدبي فقد ظهرت في أول مجموعة قصصية لي وهي "عرب العطيات" لكنها بلغت ذروتها في "شجرة العابد" التي تقوم على أكتاف رجل دخل درب التصوف العميق بعد أن كان شابا أزهريا ثائرا على السلطان المملوكي الجائر.

هذا بشكل عام عن تأثرك بدراسة الصوفية في إنتاجك الأدبي، لكن كيف وظفت المعرفة الصوفية في إنتاج رواية تنتمي إلى الواقعية السحرية؟

غلاف رواية "شجرة العابد"
-على مدار قرون عديدة مثلت الصوفية رافدا من روافد الواقعية السحرية في الأدب العربي، ليس فقط من زاوية طرحها لقضية "كرامات الأولياء" بشكل مبالغ أحيانا، والخلط فيها بين ما له ظل من واقع وبين ما ينسجه الخيال، لكن أيضا من لغة الصوفية الساحرة التي أنتجت نصا جذب انتباه العالم بأسره، علاوة على ما فيه من مضمون إنساني، ولذا ليس من المستغرب أن يكون أكثر الشعراء قراءة في الولايات المتحدة الأميركية حاليا هو جلال الدين الرومي.

ومن الخطأ أن نهمل نصا ساحرا وطقسا غرائبيا في إنتاج واقعيتنا السحرية، التي يمكن أن تضيف فصولا جديدة إلى أساطيرنا الشرقية الخالدة. وقد استفدت من التصوف في لغته ومن "الطرقية" في طقوسها في بناء روايتي هذه من دون شك، ولذا فإن روايتي بنت الصوفية في جانب واسع منها.

في الرواية لجأ بطلها عاكف إلى التصوف ليهرب من واقعه البائس بعد أن فشلت الثورة التي شارك فيها مع شيخه الأزهري الذي أسميته القناوي، فهل معنى هذا أنك ترى في الصوفية مهربا لليائسين من السياسة أم أنها الحل الإنساني الأفضل؟

من الخطأ أن نهمل نصا ساحرا وطقسا غرائبيا في إنتاج واقعيتنا السحرية التي يمكن أن تضيف فصولا جديدة إلى أساطيرنا الشرقية الخالدة
-لا يمكننا أن نفهم هذا بعيدا عن جوهر الحكاية التي تضمنتها الرواية، فالصوفية فيها كانت وسيلة لاكتشاف بطلها قوته الكامنة، وقدراته الروحية الخارقة، التي مكنته في النهاية من أن يصل إلى الشجرة العجيبة، التي اختلف الناس حولها فيوجد من يراها التعبير عن الذات الإلهية في صورة غير مسبوقة، وهناك من يعتقد أنها جنة الفردوس، ويوجد من يتصور أن الشجرة هي الحقيقة المطلقة التي تعجز غالبية البشر عن بلوغها ولا يصل إليها إلا من يكتشف الطاقة الفياضة الكامنة في نفسه.

في الرواية يعجز بطلها عاكف عن الوصول إلى الشجرة  بمساعدة جنية عشقته، وأخذته إلى عالم الجن، ويعجز السلطان الغشوم من الوصول إليها من خلال السحرة المهرة الذين استجلب بعضهم من بلاد المغرب، ويعجز كل من وصله نبأ الشجرة الغريبة من الوصول إليها بقدراته وحيله المباشرة وإمكاناته المستهلكة والتي يرضي منها بما هو متاح.

 أما عاكف فيصل إليها بعد أن انقطع للعبادة سنين لا عدد لها في زاوية بناها إلى جانب أحد الأديرة في صحراء مصر الشرقية، ولم يأخذ فيها معه سوى "المصحف الشريف" وكتاب "طوق الحمامة في الألفة والألاف" لابن حزم الأندلسي.

هذا معناه أنك تطرح التصوف كحل وجودي، أليس كذلك؟

-نعم، لكنه التصوف القائم على الإغراق في المحبة والإيمان بالحدس إلى جانب البرهان والتسامح الذي لا ينزلق إلى التساهل، والزهد الذي يغني الإنسان عما بيد الآخرين، فلا يجد أحد سبيلا إلى شرائه أو إغرائه، وليس بالطبع التصوف القائم على الانسحاب التام من الحياة، أو الدروشة أو الاتجار بالدين. وأعتقد أن التصوف الحقيقي جزء أصيل من الإيمان.

هذا عن الخيال والسحر في روايتك، فماذا عن تجليات الواقع؟ أين نلمسه في "شجرة العابد"؟

في الرواية نقف بعناية على بعض ما تنطوي عليه الحياة من فلسفة عميقة، ويعرف بعض طرائق العيش وأشكال العمران وألوان الفنون والثقافة السائدة في مصر المملوكية عند المسلمين والمسيحيين واليهود، من أهل الريف والحضر والبدو
- الواقع ظاهر للعيان في الرواية، حيث تجري وقائعها في لحظة فارقة من الصراع بين الشرق والغرب أواخر القرن الخامس عشر وهو عصر المماليك، أما مكانها فيصل صعيد مصر وصحاريها بالقاهرة في أيامها الزاهرة.

ومحرك أحداث الرواية طالب علم أزهرِيّ كان يسعى في شبابه إلى الثورة على السلطان المملوكي الجائر فانتهى إلى درب التصوف هارباً من العسس والسجن والتعذيب والشنق الذي كان مهددا به بعد أن اختفى حين عجز أن يحقق للسلطان المستبد حلمه بالوصول إلى الشجرة.

وفي الرواية نقف بعناية على بعض ما تنطوي عليه الحياة من فلسفة عميقة، ويعرف بعض طرائق العيش وأشكال العمران وألوان الفنون والثقافة السائدة في مصر المملوكية عند المسلمين والمسيحيين واليهود، من أهل الريف والحضر والبدو، ونتأكد من أن استبداد الحكم وفساده يهلك الحرث والنسل، ونفهم أن مصير الإنسانية واحد مهما تفرقت بالناس السبل، ونعلم أن الواقع والخيال يمكن أن يتعانقا في لحظات تُراوِح فيها أقدارنا بين الأوجاع والمسرات.

فوسط الخيال بالرواية هناك تفاصيل حياتية استفدت في صياغتها من كتب التاريخ والأنثروبولوجيا والاجتماع والجغرافيا التي كتبت عن نهاية العصر المملوكي، الذي وقع تحت سنابك خيل العثمانيين.

المصدر : الجزيرة