زجاج ملون في المحال التجارية وسط حي باب توما بدمشق القديمة (الجزيرة نت)


تشير التواريخ المؤخوذة عن كتب التراث السوري إلى أن مئات السنين مرت على صناعة الزجاج الملون وكذلك صناعة القيشاني التي انتشرت أيضا في كل من مصر وتركيا وإيران وبلدان أخرى بالعقود الأخيرة ، لكن هذه الصناعات الفنية تواجه في سوريا الكثير من العقبات والمشاكل التي تهدد وجودها كفن تراثي أصيل.

ولا يغفل التاريخ أن دمشق تعتبر من أقدم مدن العالم بصناعة الزجاج والقيشاني
كحرف يدوية تعتمد على الرمل مادة أولية حيث اخترعهما الفينيقيون عام 2500 قبل الميلاد، ولقيت اهتماماً بكل العصور والحضارات التي تعاقبت على سوريا.

سوري يقوم بالنفخ في الزجاج الساخن لتشكيل القطعة المطلوبة (الألمانية)
لمسات جمال
ويجمع حرفيو أسواق دمشق القديمة على أن المهن اليدوية التي تضفي لمسات من الجمال على بعض الصناعات مهددة  بالانقراض ما لم تتم حمايتها ودعمها بشتى السبل حتى تبقى من معالم السياحة في سوريا التي أصبحت وفق منظمة السياحة العالمية من أبرز المقاصد السياحية خاصة مجال السياحة التراثية والدينية.

وتنتشر العشرات من محال بيع القيشاني وتحف الزجاج الملون بأسواق المهن اليدوية وسوق الحميدية وأسواق باب توما وحي الأمين بدمشق القديمة وتجذب آلاف السياح، إلا أن هذه الأسواق تبدو هذه الأيام شبه فارغة نتيجة الأوضاع الجارية حيث مازالت الانتفاضة الشعبية متواصلة منذ نحو أربعة أشهر.

ويخشى عمر رمضان أن تتراجع صناعة القيشاني لأنها حرفة نادرة وتم توارثها منذ مئات السنين بين أبناء العائلات العاملة بهذا الفن الذي يقوم بتجميل الأواني الخزفية والسيراميك والبورسلان ليحولها إلى تحف جذابة يقتنيها الناس في كل مكان لا سيما السياح الأجانب.

ويقول رمضان، سليل أحد أبرز العلائلات السورية التي لا تزال تحافظ على هذه الحرفة منذ مئات السنين "المواد الأولية الجيدة التي تدخل في صناعة هذه المادة من رمل وأحجار خاصة متوفرة في سوريا، ويتم صهرها في فرن خاص ثم يتم الرسم على تلك الأواني حتى تخرج بحلة أنيقة وكأنها لوحة تشكيلية ضمن خطوط شرقية، وغالبا يطغى عليها اللون الأزرق على خلفية بيضاء تسمح بنقش أي عبارات أو رسومات تعبيرية جمالية".

الزجاج الملون والأواني الخزفية صناعات يدوية تعتمد الرمل مادة أولية (الألمانية)

تاريخ مهدد
ويفرق رمضان بين صناعة الزجاج الملون والقيشاني لأن المواد الأولية الداخلة في صناعة كل منهما تختلف فضلا عن طرق التحضير، وإن كان هناك تشابه في بعض النقاط كالألوان مثلا.
 
ويضيف أن هذا النوع من الفن الجميل انتشر في عدد من البلدان، إلا أن انطلاقته كانت من سوريا على أيدي الأتراك والتجار السوريين الذين جابوا العالم مروجين له.
 
من جهته يقول أحمد، وهو أحد صانعي الزجاج الملون "أعتقد أن الفرن الذي نملكه في حي باب شرقي بمنطقة باب توما بدمشق القديمة هو أحد الأفران القليلة جدا التي بقيت نارها موقدة، وتعمل لتغذية الأسواق المحلية بأشكال الزجاج الملون الجميل ذات الأشكال والأحجام المتنوعة والتي تناسب كل الأذواق".
 
ويضيف "نحن نعتقد أن تاريخ الفرن الذي نعمل به يعود إلى أكثر من نصف قرن، ويكاد يكون متفردا في نشاطه بعد أن أطفأت النار في فرن التكية، السليمانية القريبة من وزارة السياحة بجانب المتحف الوطني وسط العاصمة."
 
صناعة وفن
ويحتاج فرن الزجاج الملون إلى النفخ في الزجاج الساخن الذي يخرج من فرن الشواء، لكن القيشاني يختلف عن ذلك فالأدوات هي التي تصقل المادة الخارجة من الفرن بعكس الزجاج كما أن القيشاني يحتاج لمواصفات للتبريد مختلفة عن الزجاج الملون ودرجة حرارة الفرن أيضا مختلفة فضلا عن تداخل الألوان في الزجاج بعكس القيشاني.

الرسم على الأواني والزجاج الملون والخزف صناعة يدوية تتميز بها سوريا (الألمانية)
ويقول أبو محمد، أحد العاملين في هذه المهنة "مراحل صناعتنا اليدوية تعتمد على الزجاج المكسر المصنوع أساسا من حبيبات الرمل حيث نقوم بصهره في الفرن بحرارة 1200 درجة، ونقوم بوضع بعض الأكاسيد لتلوينه وفق الطلب.

ثم نأخذ قطعة من هذا الزجاج نسميها (الكرخة) بواسطة حديدة النفخ تسمى (الماشة) ونقوم بواسطتها بعمل القطعة المطلوبة سواء كانت كأساً أم مزهرية أو ثريا، علماً أن القطعة لكي تكون جاهزة للاستعمال تحتاج إلى يوم واحد تقريبا".
 
ويشكو صانعو المهن اليدوية في أحيان كثيرة من ارتفاع سعر المواد الأولية وضعف دعم الجهات المسؤولة لهذه المهن النادرة وتشجيعها والتركيز على اعتبارها كجزء من التراث الجاذب للسياح، فضلا عن صعوبة العمل في فصل الصيف اللاهب حيث الجلوس أمام الفرن ساعات طويلة.

المصدر : الألمانية