يوسف ضمرة

لم يكن للأحزاب العربية دور مباشر وفعال في الحياة السياسية العربية العليا، ربما باستثناء حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تمكن من السيطرة على الحكم في بلدين عربيين بانقلابين عسكريين. وقد تفاوت مستوى فعل الأحزاب من قطر إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى.

وكان لافتا أن بعض العسكريين الذين قاموا بانقلابات عسكرية، أسسوا وهم في السلطة أحزابا وهمية، يخوضون بها الانتخابات البرلمانية، موهمين الشعوب أن السلطة انتقلت من يد العسكر إلى الشعب. فأنشأ الرؤساء أنور السادات وعلي عبد الله صالح وزين العابدين بن علي وغيرهم، أحزابا على مقاساتهم في مصر واليمن وتونس على التوالي.

وللتذكير فقط، فإن هذه الأحزاب التي كانت تتحصل على أكثر من 90% من أصوات الشعب، سرعان ما تبين أنها هياكل ورقية، بمجرد سقوط الرئيس.

بعد ركام من الإحباط الذي أصاب الشارع السياسي العربي، إثر توقيع اتفاقيات كامب ديفد وأوسلو ووادي عربة، كان من الطبيعي أن تظهر إلى الضوء ثقافات لم تكن قادرة على الظهور في مناخات المقاومة والمجابهة
حقبة الأيديولوجيا
كانت الماركسية تحديدا أكثر الأيديولوجيات التي جذبت انتباه الكتاب والمفكرين العرب، وذلك إثر انتصار الثورة البلشفية في أكتوبر/تشرين الأول في روسيا، ثم وصول الجيش الأحمر إلى برلين في الحرب الكونية الثانية، واضعا حدا لحياة النازية التي قادها هتلر سنوات عدة.

ولأن العدالة الاجتماعية كانت غائبة في ظل الإقطاع والسلطة البطريركية العربية، فقد وجد كثير من المثقفين والكتاب العرب في الاشتراكية فرصة للانخراط في صفوف الجماهير، لتصحيح مسار تاريخي طويل من الظلم والاضطهاد واستعباد الأغلبية الشعبية. وهو ما فهمته بعض الأحزاب الأخرى غير الماركسية أيضا، كحزب البعث الذي كانت الاشتراكية ثالث كلمة في شعاره "وحدة. حرية. اشتراكية".

ولكن اشتراكية الحزب في السلطة، تختلف عن الاشتراكية التي ينشدها الناس. ولعل رواية المصري علاء الأسواني "عمارة يعقوبيان" لخصت تلك الاشتراكية المشوهة التي فهمها بعض الضباط، وهي اشتراكية تتلخص في الحصول على أكبر قدر ممكن من المكتسبات باسم الثورة، وهو الأمر الذي لم يفعله جمال عبد الناصر نفسه.

أما اشتراكية البعث في السلطة، فقد أدت إلى خلق فجوة كبيرة بين البعثيين وغير البعثيين، على مستوى الحريات والمشاركة السياسية والحقوق المدنية، وإن كانت في بعض جوانبها صححت شيئا من الخلل الطبقي الذي كان سائدا، من حيث مجانية التعليم والعلاج ودعم الإنتاج المحلي، وبخاصة الزراعي، ما أدى إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية على الطبقة الفقيرة، وجعل الطبقة الوسطى تتحول إلى خزان ثقافي ومعرفي وفكري كبير.

الأحزاب العربية أسهمت إلى حد ما في تشويه المشهد الثقافي العربي، بحيث أصبح الكاتب الحزبي محط أنظار الجماهير، وتوارى غير الحزبي وغير السلطوي بعيدا.
متغيرات ثقافية
كان خروج البلاد من الاستعمار، فرصة للمشاركة السياسية الأوسع، من أجل رسم مستقبل أفضل للبلاد، فانتشرت الأحزاب والتيارات السياسية على امتداد الوطن العربي، وانضم العديد من الكتاب العرب إلى هذه الأحزاب، التي شكلت رافعة في بعض الأحيان لكثير منهم، من دون أن يكونوا مؤهلين فنيا للمكانة التي وصلوا إليها.

أي أن الأحزاب العربية أسهمت إلى حد ما في تشويه المشهد الثقافي العربي، بحيث أصبح الكاتب الحزبي محط أنظار الجماهير، وتوارى غير الحزبي وغير السلطوي بعيدا.

كان التحول الكبير الذي شهده الكتاب العرب، تمثل في تمركز المقاومة الفلسطينية في بيروت، حيث تمكنت بما تمتلك من فائض مالي كبير، من تأسيس مجلات ودور نشر وصلت منشوراتها إلى أنحاء العالم العربي كله.

وهو ما أغرى عددا كبيرا من الكتاب العرب بالانخراط في صفوف الفصائل الفلسطينية مباشرة، والانتقال للعيش في بيروت التي تحولت إلى عاصمة ثقافية وفكرية لافتة.

وتمكن عدد من الكتاب العرب من الاستفادة من هذه الفرصة، ليتحولوا إلى أيقونات أدبية مشهورة، بعضها يستحق تلك المكانة، وكثير منها لا يستحق ما هو أقل من ذلك بكثير. وهو ما يفسر انطفاء ضوء العديد من الكتاب والأدباء بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان.

وحين جرى توقيع اتفاقيات التسوية مع العدو الصهيوني.. (كامب ديفد وأوسلو ووادي عربة)، وخرجت مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية من المواجهة المباشرة مع العدو، تأثرت الأحزاب العربية بهذه النتائج، بعد ركام من الإحباط الذي أصاب الشارع السياسي العربي، وكان من الطبيعي أن تظهر إلى الضوء ثقافات لم تكن قادرة على الظهور في مناخات المقاومة والمجابهة.

فتصدرت قصيدة النثر المشهد الأدبي العربي، واختفت معالم الواقعية الاشتراكية من الأدب، وتم التوجه نحو فلسفات وأفكار جديدة لم تكن مطروحة عربيا من قبل، كالبنيوية والتفكيكية وما بعد الحداثة، وازدهر أدب المرأة بعد هزيمة مرحلة ذكورية بأكملها.

لأن العدالة الاجتماعية كانت غائبة في ظل الإقطاع والسلطة البطريركية العربية، فقد وجد كثير من المثقفين والكتاب العرب في الاشتراكية فرصة للانخراط في صفوف الجماهير
بعيدا عن التحزب
في ظل هذه التطورات، انفض الكتاب والأدباء العرب عن الأحزاب التي ظلت قاصرة عن اللحاق بركب التطور الذي أصاب الكتابة العربية، وأصبح اليوم من النادر جدا أن ترى كاتبا جيدا ملتزما بحزب سياسي، ولكن بعض الكتبة الصغار، لا يزالون يتكئون على هذه الأحزاب، لأنها منصتهم الوحيدة التي يمكن القفز منها إلى مكانة لائقة.

وقد انعكس هذا الأمر على اتحادات الكتاب العربية والروابط والأسر الأدبية. فبعد أن كانت الأحزاب السياسية تمتلك الكلمة الفصل في تحديد نتائج الانتخابات في هذه الاتحادات، أصبحت اليوم تلهث خلف تكتلات ثقافية صغيرة غير حزبية، علها تتمكن من إيصال أحد أعضائها إلى قيادة الاتحاد أو الرابطة، وهو ما تمثل في العقدين الأخيرين برابطة الكتاب الأردنيين، حيث يعجز الكتاب الحزبيون عن الوصول إلى قيادة الرابطة، بل ولا يحصلون إلا على أقل الأصوات، كما حصل قبل أيام مع مرشح الوحدة الشعبية في الأردن.

خلاصة القول هي أن الأحزاب العربية قدمت خدمات جليلة في الثقافة العربية، كان أهمها تشجيع القراءة والكتابة، وتسريع وتيرة الترجمة لأشهر الكتاب والأدباء العالميين. ولا يمكن أن ننسى تعريف الواقعية الاشتراكية للأدب الذي هو: الأدب أرقى أشكال الوعي الاجتماعي.

ولكن هذه الأحزاب أسهمت أيضا -وإلى حد كبير- في خلط الأوراق الثقافية، فكان التعميد يتم عبر التوجه شرقا، بحيث مر وقت طويل قبل أن يلتفت جيل السبعينيات إلى الآداب الأخرى.

كان الحزب حاضنة الكاتب العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال، ولكنه تحول إلى عبء على كاهل الكاتب العربي، الذي لم يعد الحزب يمثل بالنسبة إليه أكثر من إرث قديم يحتفظ بتاريخ من النضال.

ولكن التاريخ النضالي لا يطعم خبزا، وهو ما أدركه الكتاب والأدباء العرب، الذين وجدوا فرصتهم بعيدا من الأحزاب، لكي يتحركوا عبر أفق أكبر وأكثر اتساعا، ولكي ينشغلوا بأحلامهم وأفكارهم من دون رقابة حزبية لا تقل شراسة عن رقابة السلطة العسكرية.

المصدر : الجزيرة