الشاعر محمد علي شمس الدين (الجزيرة نت)

زهرة مروة-بيروت

كانت نشأة الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين ريفية في حضن جده الشيخ على صوت أذان الفجر والأوراد الكربلائية في قرية بيت ياحون بالجنوب اللبناني التي ولد فيها عام 1942، وذات تأثير كبير على شعره الذي حفل بالرموز الدينية. صدر له 13 ديواناً بين عاميْ 1957 و2009، وفي عام 2009 جُمعت أعماله الشعرية في مجلدين صدرا عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر".

لم يتذوَّق شعره الجمهور العربي فحسب، بل إنه وصل صداه إلى الغرب وتُرجم معظمه إلى الإسبانية والفرنسية، وبالإضافة إلى حمله إجازتين في الأدب العربي والحقوق، حصل أيضاً على دكتوراه في التاريخ من الجامعة اللبنانية.

من مؤلفاته: "قصائد مهرية إلى حبيبتي آسيا"، "غيم لأحلام الملك المخلوع"، "أناديك يا ملكي حبيبي"، "الشوكة البنفسجية"، "غنّوا غنّوا".
الجزيرة نت التقت الشاعر وأجرت معه هذا الحوار عن الشعر والرواية والثورات الشعبية التي تجتاح البلاد العربية.

هل تعتبر ديوانك الأول تأسيسياً في رحلتك الشعرية؟

لا أحد يحدد من أين تخرج الثورة، لا من الجوامع ولا من الخمارات، وإذا كان رأي أدونيس أن الثورة ذات الجذر الديني مرفوضة، فهو رأي غير صحيح لا تاريخياً ولا نظرياً

- ليس بالضرورة أول ديوان، بل أول قصيدة يجب أن تكون تأسيسية، الشعر عمل صعب ونادر. كتبت مئات القصائد قبل القصيدة الأولى التي نشرتها وكانت بعنوان "ارتعاشات اللحظة الأخيرة"، ثم تلتها قصيدة "قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا" التي كان لها دويّ شعري ما زال يتماوج حتى الآن. القصيدة الأولى المنشورة والديوان الأول شديدا الأهمية في تكوين اسم شعري.

قلائل هم الذين كونوا اسما شعريا بعد عدد من المجموعات الشعرية، عادة يبدأ الشاعر عاليا ثم ينخفض فيما بعد ولا يعد منتظرا. وأيضا قلائل هم الشعراء الذين أنتظرهم وأنتظر أعمالهم، حتى إن هناك شعراء كبارا لا أنتظرهم.

من هم الشعراء الذين تنتظرهم إذن؟

- أدونيس مثلاً لا أنتظره، وكثير من الشعراء الآخرين أيضا لا أنتظرهم، من الذين أنتظرهم مثلا الشاعر المنصف الوهايبي في تونس، أما في لبنان، فقد انتظرت طويلا حسن عبد الله ولم يأت، لكني ما زلت أنتظره.

كيف تفسر التوظيف الدائم للرموز الدينية الشعبية في شعرك ومنها المهدي... إلخ؟

أكاد أقول إن نصف القرن الأخير من التاريخ العربي هو عصر روائي بامتياز، خاصة في مسألة نشوء ونمو واستمرار الدكتاتوريات العربية. ولكن روايات عربية قليلة دخلت في لحم ودم هذه الأنظمة الدكتاتورية
- إن ذلك عائد إلى أنني أمضيت طفولتي وصباي في حضن جدي الشيخ وعلى صوت الأذان في الفجر والأوراد الكربلائية في القرية. هذا المعطى الديني شكل حضنا شعريا وانتهى إلى أن يكون في أساس ما كتبت في مرحلتي الأخيرة من شعر عرفاني، مثل قصائد "يوميات الصمت" وديوان "شيرازيّات" وقصيدة "الحيرة"، هذه مرحلة جوهرية في حياتي الشعرية.

الثورات في الدول العربية هي حديث الساعة. ما رأيك فيما يحصل اليوم في سوريا، وهل أنت مع مقولة أدونيس بأن الثورة يجب ألا تخرج من الجوامع؟

- لا أحد يحدد من أين تخرج الثورة، لا من الجوامع ولا من الخمارات، وإذا كان رأي أدونيس أن الثورة ذات الجذر الديني هي مرفوضة، فهو رأي غير صحيح لا تاريخياً ولا نظرياً، ولكن أن نقول إن كل ثورة هي بالضرورة ذات جذر ديني أيضا مرفوض، الثورة دائماً مفاجئة.

ما سبب حصول هذه الثورات برأيك وما هي العوامل التي ساهمت في حدوثها؟

- ثورات الربيع العربي التي بدأت من تونس مع البوعزيزي الذي أحرق نفسه قربانا، والذي لا يقل ثورية عن انتحار خليل حاوي في لبنان حين دخل الجيش الإسرائيلي عام 1982 إلى بيروت، وصولا إلى ميدان التحرير في مصر، إلى ليبيا فاليمن فسوريا والبحرين فكل أرض عربية.

إنها ثورات مفاجئة وجديدة، والبطل فيها هو إنسان فيسبوك وتويتر، وجمهورها هو الحشود المتجمعة في كل الأماكن من بؤر أو ساحات. هذه الثورات لم تنشأ في لحظة بل كانت مثل البراكين تتراكم وتتجمع في مواجهة أنظمة قمعية وراثية دهرية دكتاتورية، على اختلاف تسمياتها سواء كانت ملكية مطلقة أو جمهورية أو راديكالية إسلامية.

إذن هناك عامل مشترك بين كل هذه الدول أدى إلى حدوث هذه الثورات وهو القمع؟

لم يصف لنا أحد من الروائيين عالم معمر القذافي، وهو عالم مكتظ بالنساء و"خصب" لجهة غرابة أطوار هذا الحاكم صاحب السلطة المطلقة الذي يدعي أنه بلا سلطة وأنه أب روحي للثورة
- الأنظمة العربية تختلف بعضها عن بعض، ولكن هناك ما يجمعها في مركز سلطوي واحد متشابه سبق أن سماه الباحث الدكتور عبد الوهاب الأفندي الأستاذ في جامعة وست مينيستر في عام 2004 "مركز الثقب الأسود"، ويعني بذلك أن هناك ظاهرة فلكية تتشكل من مجموعة من النجوم المنطفئة تتراكم في السماء وتجذب إليها كل شيء وتشكل ما يسمى في علم الفلك "الثقب الأسود".

إن المشترك القمعي العربي هو هذا الثقب الأسود مهما كان اسم النظام أو شكله، هناك توريث لسلطة دكتاتورية قمعية، وتأبيد لهذه السلطة، واستثمار ريعي للثروة، سواء كانت هذه الثروة هي النفط أو الخدمات أو السياحة.

هل تعتقد أن هناك عنصراً جديداً ساهم في ترويج هذه الثورات وهو فيسبوك والإنترنت عموماً؟

- هناك عنصر جديد ومفاجئ ثقافي تكنولوجي ليس فقط للعرب بل للعالم، هو التحول في مفهوم القوة وانتقالها من المستوى العسكري والاقتصادي إلى مستوى الانتشار الهائل للمعلومات من خلال شبكات الإنترنت وفيسبوك وتويتر.

إن الملايين من الناس يستطيعون أن يتعارفوا في لحظة واحدة ويتواطؤوا على أمر واحد دون أن تكون خطط مسبقة بينهم. إذن هناك فرق بين الثورات القديمة والثورات الجديدة التي تحدث الآن من ناحية سرعة انتقال المعلومات، وقد أصبحت هذه المعلومات في متناول يد أي إنسان.

ولكن أين المثقف العربي في الثورات؟


الشعراء العرب على العموم لم يعيشوا في الداخل الحار والمفترض للشعوب، عاشوا على الهوامش
- ثلث قرن من الزمن هو عمر نظام حسني مبارك، وجزء من عمر نظام زين العابدين بن علي، وجزء من عمر نظام علي عبد الله صالح...، وقد عاش المثقفون العرب جزءاً من أعمار هذه الأنظمة الدكتاتورية، كتَّاب وشعراء من دون أن يرى أحدهم الفساد الحقيقي الذي يُعايشه في قلب هذه الأنظمة!، أستطيع القول إن هذه الثورات على العموم كانت مفاجئة للمثقف وللشعر العربي الحديث والمعاصر.

ما هو موقع الروائيين العرب من هذه الثورات؟

- الأهم والأكثر خطورة هو موقع الروائيين العرب من هذه الثورات، أكاد أقول إن نصف القرن الأخير من التاريخ العربي هو عصر روائي بامتياز، خاصة في مسألة نشوء ونمو واستمرار الدكتاتوريات العربية. ولكن روايات عربية قليلة دخلت في لحم ودم هذه الأنظمة الدكتاتورية، على عكس ما هو معروف عند روائيي أميركا اللاتينية الكبار الذين عايشوا الدكتاتوريات ولكنهم فضحوها برواياتهم العظيمة.

تذكرني رواية "حفلة التيس" للبيروفي لماريو بارغاس يوسا برواية الطاهر وطّار المسماة "عرس بغل"، ولكن عدا "عرس بغل" ليس ثمة من روائيين عرب ممن عاشوا الدكتاتوريات العربية وكان بعضهم مقرباً من السلطة ويعرف أسرار القمع وحواشي الحاكم وأساليبه ونساءه.

هذه الثورات لم تنشأ في لحظة، بل كانت مثل البراكين، تتراكم وتتجمع في مواجهة أنظمة قمعية وراثية
لم يصف لنا أحد مثلاً عالم معمر القذافي، وهو عالم مكتظ بالنساء و"خصب" لجهة غرابة أطوار هذا الحاكم صاحب السلطة المطلقة الذي يدعي أنه بلا سلطة وأنه أب روحي للثورة. حتى إبراهيم الكوني الذي هو من أكبر الروائيين العرب لم يكتب شيئاً عن هذا العالم.

وعلى صعيد الشعر؟


- الشعراء العرب على العموم لم يعيشوا في الداخل الحار والمفترض للشعوب، عاشوا على الهوامش، والكثيرون كانوا ظلالا للسلطة السياسية. محمود درويش  كتب "مديح الظل العالي" مديحا لياسر عرفات، وحين تكلم في الثورة رمز وألغز كثيرا وشطح.

أستطيع أن أضع تحت عنوان شعراء الغضب العربي: نزار قباني، وأحمد مطر، ومظفّر النواب. ولكن في عمق التحول الشعري -الذي هو عمق تحول الحياة- يمكن أن أذكر شعراء مثل صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وصلاح جاهين.

المصدر : الجزيرة