" الحسن والحسين" مثار للجدل في رمضان (الجزيرة)

بدر محمد بدر-القاهرة

أثار المسلسل الديني "الحسن والحسين" الذي تعرضه حاليا بعض الفضائيات المصرية والعربية، الجدل من جديد بين ما هو ديني وما هو فني، ومدى قبول تجسيد آل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم والصحابة (رضوان الله عليهم) فبينما يرى البعض أن التجسيد يقرب الصورة والوقائع أكثر للمشاهد، وأنه لا يوجد بالقرآن أو السنة ما يمنع تجسيد الأنبياء (عليهم السلام) والصحابة، يرى البعض الآخر أن المجامع الفقهية السنية شبه مجمعة على رفض وحرمة التجسيد، وأنه لا بد من الالتزام بالأحكام الشرعية.

الجزيرة نت استطلعت آراء عدد من الخبراء والكتاب والفنانين حول الموضوع.

تصحيح الصورة
من جهته يعتقد المؤلف والسيناريست يسري الجندي أنه "ليس هناك مانع شرعي فيما يتعلق بظهور الشخصيات الدينية في الأعمال الفنية، لا في القرآن الكريم ولا في الحديث الشريف"
.

وبرأيه فإن الأمر يتعلق بالاجتهاد، القائم على مبدأ الضرورة والمنفعة، ولفت إلى أن ظهور هذه الشخصيات بأعمال فنية دينية يعد نفعا كبيرا، نحن في أشد الحاجة إليه كأعمال تاريخية ملحمية، تظهر الصورة الحقيقية للإسلام وللحضارة والتاريخ الإسلامي، الذي يتعرض لحملات تشويه وصك صور نمطية غير صحيحة.

وأكد الجندي في حديثه للجزيرة نت أنه ثبت أن هذه الأعمال الفنية تحدث أثرا إيجابيا، بشرط أن تتم وفق مرجعية فكرية وتاريخية صحيحة ومستنيرة، وفن راق يحقق مردودا إيجابيا على المستوى العالمي.

وأشار إلى أن مسلسل "الحسن والحسين" بدا متواضعا للغاية، تاريخيا وإنتاجيا وفنيا، لأنه تجاهل حقائق تاريخية مفصلية، بينما نحن الآن بحاجة ماسة لتحليل تاريخنا بواقعه وحقيقته بشكل صحيح وصادق، لكن المسلسل كعمل فني كان بدائيا.

واعتبر أن شخصيات العمل جاءت ملساء تماما بلا عمق حقيقي وتبدو كلها ملائكية، والحدث الرئيس فيه قائم على شخص يهودي جاء من اليمن وما يحركه من منافقين، بينما الأحداث الحقيقية التي نشأت عن الصراع بين بني أمية وبني هاشم منذ بداية الدعوة غير ممثلة، كذلك بدت صورة "معاوية" بشكل مخالف للواقع.

ودعا الجندي إلى تقديم أعمال فنية ثرية، وفق منهجية واضحة في التناول والتحليل، وبمصداقية تنافس الإنتاج الغربي، ونبه إلى أن كتابة النص مسؤولية كبيرة تتطلب مرجعية تاريخية حديثة ومستنيرة وصحيحة، وإبداع حقيقي للنص وللعمل على الشاشة.

عيد: تقديم الشخصيات العظيمة يقدم قدوة للأجيال الجديدة (الجزيرة) 
تقديم القدوة
وفي السياق نفسه يرى نائب رئيس اتحاد كتاب مصر أنه "من الأفضل أن نكتب تاريخنا الإسلامي دون عوائق، لأن تقديم الشخصيات العظيمة يقدم قدوة للأجيال الجديدة، ويقرب لهم المعاني الإسلامية ويعرفهم بتاريخ أمتهم
".

ونبه السيناريست محمد السيد عيد في حديثه مع الجزيرة نت إلى أن المصريين يشاهدون في عصر السموات المفتوحة كل ما أنتجه العرب وغيرهم من أعمال فنية درامية وسينمائية في هذا المجال، ولكن برؤية ومنظور صانعي العمل، وقد أثرت إيجابيا في مشاعر المتلقين ولم تشوه صورتهم.

وأكد أن وضع العوائق على الكتاب المصريين يعطي الفرصة لبلاد أخرى كي تقدم هذه الشخصيات من منظور قد لا نوافق عليه أو نتفق معه، بينما إنتاج هذه الأعمال في مصر يضمن أن تكون الرؤية والمعالجة وسطية ومعتدلة، وقد سبق لمصر وقدمت مسلسلات عن الأنبياء وكانت تتحايل على فكرة عدم تجسيد الشخصية بأن يقول عنه راو، وتوجد بدائل فنية كثيرة، كما يمكن إعمال الذهن للاستعاضة عن التجسيد.

العربي: إجازة المسلسل أو عدم إجازته
مسؤولية العلماء (الجزيرة)
وفي المقابل يرى الفنان وجدي العربي أن "إجازة مسلسل الحسن والحسين أو عدم إجازته مسؤولية العلماء" ولكنه شخصيا لا يشاهد هذا العمل، لأنه "لا يريد أن تترسخ في ذهنه صورة ما تلتصق بالحسنين، بوصفهما سيديْ شباب أهل الجنة وسبطْي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما أجل وأعلى من أن يُجسدا بشكل ما، فكيف نجيز تجسيدهما دراميا؟
".

وطالب العربي في حديثه مع الجزيرة نت بأن يكون لقرارات الأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية، الذي أصدر فتوى منع تجسيد الأنبياء وآل البيت ورفض عرض المسلسل، قوة إلزامية كقوة الحكم القضائي.



تحري الدقة
وبدورها أكدت أستاذ السيناريو والإخراج بجامعة حلوان أسماء أبو طالب أن الحقائق الدينية والتاريخية بالمسلسل مسؤول عنها العلماء الذين تصدرت أسماؤهم الشاشة وليس المشاهد، ولابد من تحري الصدق والدقة لأن هناك من لم يقرأ في حياته عن هذه الفترة
.

واعتبرت في حديثها مع الجزيرة نت أن مكمن الخطورة في تقديم مثل هذه الأعمال الدينية هي ثقة المشاهد فيها ثقة مطلقة، خاصة في ظل انتشار الأمية وندرة القراءة.

ووصفت تجسيد شخصية الحسن والحسين رضي الله عنهما في مسلسل درامي بأنه بمثابة اغتيال لخيال المشاهد، واقتحام لتلك الهالة من النور التي تحيط بالرسل والأنبياء وآل البيت والصحابة.

ورأت أنه من الأفضل أن يكون التجسيد نورانيا، بحيث نرى مكان الشخص بقعة ضوء، وقد اعتدنا على ذلك بمسلسلاتنا الدينية مما يزيد المشاهد تشويقا، أو عن طريق الراوي يفصح ويكشف عما يقوله.

د.أسماء أبو طالب: تجسيد شخصية الحسن والحسين بمثابة اغتيال لخيال المشاهد (الجزيرة)
وبحكم اختصاصها في مجال الدراما أكدت الأستاذة أسماء أن كثيرا من الحقائق والمعلومات في المسلسل جاءت مبتورة أو سريعة ومتلاحقة، يلهث وراءها المشاهد، ولا يستطيع أن يلملم شتاتها في المحصلة، وأدت هذه المشاهد الناقصة معلوماتيا إلى بلبلة المتلقي، خاصة أن الشخصيات التي قدمها المسلسل كثيفة، وهذا طبيعي في الأعمال الدينية، ولكن كثرتها ارتبط بعدم تسميتها والاكتفاء بالكنية، فاختلط الأمر على المشاهد
.

غير مقبول
ومن ناحيته يرى الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عبد الرحمن البر أن "تجسيد الأنبياء والصحابة وآل البيت غير مقبول شرعا، لأن الصورة الذهنية للمشاهد سوف تربط بين الصحابي والممثل، وبالتالي حين يراه بأدوار أخرى غير مناسبة، ستكون فكرته حينها عن الصحابي سيئة وسلبية
".

وأضاف البر في حديثه للجزيرة نت أن "الممثل يجسد بشكل قريب من الواقع صورة من يمثل دوره، بينما الحالة الروحية والأخلاقية للصحابة لا يمكن أن تقدم صورة شبيهة بها".

وأكد أن "المجامع الفقهية الإسلامية السنية شبه مجمعة على رفض التجسيد للأنبياء والصحابة وآل البيت، ومنها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، الذي أعلن رفضه لعرض مسلسل الحسن والحسين، مؤكدا على ضرورة احترام وتنفيذ قرارات وفتاوى الأزهر".

المصدر : الجزيرة