صورة للمقهى الثقافي "سيتي كافيه" في بيروت الذي أغلق أبوابه مؤخرا (الجزيرة نت)

زهرة مروة-بيروت

اشتهرت المقاهي الثقافية في لبنان حتى العقود الأخيرة بوجود النخب المثقفة من شعراء وكتّاب كبار وسياسيين، واحتضانها المسامرات والمساجلات الأدبية والفنية والإبداعات والأفكار، قبل أن تدهمها متغيرات العصر لتتحول إلى فضاءات للنميمة تتجسد فيها الثقافة الاستهلاكية.

وحتى التسعينيات من القرن الماضي كانت هناك مقاهٍ ثقافية كمقهى "الهورس شو" الذي ورثه مقهى "الأكسبريس"، ومقهى "دولشي فيتا" في الروشة، يرتادها كبار المثقفين ومريديهم.

ويستذكر مثقفو بيروت مقهى "الفتوح" و"النجار" حين كان يجلس الشاعر الأخطل الصغير (بشارة الخوري) محاطًا بالأدباء والشعراء، مستمتعا بالصوت العذب لمحمد عبد الوهاب وهو يغني قصيدته الشهيرة "جفنه علّم الغزل".

الكاتب عصام عبد الله (الجزيرة نت)
فضاءات فكرية
وفي ظل المتغيرات الحالية غاب المثقفون عن هذه المقاهي ولم يعد لديهم مقهى واحد يجتمعون فيه، وتوزعوا على مقاهي الحمرا والروشة كمقهى "الروضة" وغيرها.

وتشير الكاتبة يسرى المقدم إلى أن المقاهي الثقافية في بيروت "كانت تجمع نخبة من المفكرين والفنانين والمبدعين والأدباء، وشكلت لفترة طويلة فضاءات لنقاشات سياسية وفكرية ثقافيا تضج بها المدينة".

وتضيف يسرى المقدم "كانت النقاشات والمساجلات في المقاهي الثقافية في بيروت تدور حول حركة المسرح والنقد ومجلة شعر ومجلة مواقف، أما الآن فقد غدت المقاهي الثقافية مسرحا للنمائم والثقافة الاستهلاكية".

وترتبط ظاهرة تراجع المقاهي الثقافية أو إغلاقها بالتحولات التي أصابت المجتمع اللبناني الذي انتقل إلى النمط الاستهلاكي والشعبي إلى درجة لم يعد هناك من فرق بين مقهى للنخب ومقهى شعبي، وهو ما أكدته مجموعة من الكتاب والمثقفين للجزيرة نت.

ترتبط ظاهرة تراجع المقاهي الثقافية أو إغلاقها بالتحولات التي أصابت المجتمع اللبناني الذي انتقل إلى النمط الاستهلاكي
استهداف الثقافة
ويعتبر الشاعر عصام العبد الله أن ارتفاع الأسعار في مدينة بيروت تمنع مجموعة من المثقفين من أن يجلسوا في المقهى، ولذلك أقفلت المقاهي الثقافية أبوابها.

ويشير إلى أن لهذه المقاهي فقط "نكهة ثقافية" لكونها تجمع مثقفين وشعراء، وهي تسمح للشعراء والكتاب بالتلاقي، فدورها حينئذ هو دور اجتماعي أكثر منه ثقافيا.

وترى الكاتبة يسرى المقدم أن تأثيرات العولمة هي سبب إغلاق هذه المقاهي، مشيرة إلى أن المقهى الثقافي يشكل حصنا يتم استهدافه والنزعة الاستهلاكية هي جزء من سلاح العولمة، لأنها  تهتم بالرأسمال أكثر من اهتمامها بالثقافة".

أما الشاعرة والصحفية عناية جابر فتعتقد أن "فكرة المقهى الثقافي ليست جزءا من عاداتنا كما هي الحال في البلدان الأوروبية، ولذلك لم ننجح في استغلال المقاهي الثقافية للترويج للثقافة، فهي كانت مسرحا للثرثرة والأحاديث غير الجدية لذلك فشلت وأغلقت أبوابها".

ويعتبر الروائي والصحفي إلياس الديري أن إقفال المقاهي الثقافية في بيروت ناتج عن تغير في طباع الناس واهتماماتهم "حيث لم تعد الثقافة تحتل حيزا مهما في حياتهم، وهو ما أدى إلى تراجع أهمية هذه المقاهي في بيروت".

المصدر : الجزيرة