من معروضات متحف ديترويت التاريخي (الجزيرة نت) 

زينب عساف-ديترويت

يحكي المتحف التاريخي في ديترويت تاريخ المدينة التي كانت شاهدا على العصر الأميركي حيث رؤوس الأموال والاختراعات الجديدة التي يحتكرها الرجل الأبيض وعمّال من خلفيات متعددة يجلبون عائلاتهم وتقاليدهم إلى البلد الجديد، مجتمع هجين مختلط الثقافات يكبر ويكبر ليشمل القارة الجديدة، ثم سقوط اقتصادي مدوٍ بسبب ثورة المهمشين.

وقد ذكرت أحداث لندن الأخيرة الجميع بما حدث خلال ستينيات القرن الماضي، حين كانت ديترويت واحدة من أهم المدن بالولايات المتحدة، لا بل أهمها صناعياً على الإطلاق قبل ثورة المهمشين.

حكاية ديترويت ليست غير مألوفة بهذا البلد لكنها فريدة، فيها شيء يشبه أسانا الشرقي على ماضٍ مجيد وحاضر لا يرتفع إلى مستوى الحلم. للبحث عن تلك الملامح الضائعة كان لابد من زيارة متحفها التاريخي حيث تختلط سيرة الآلة بفساتين الأعراس الإثنية والأزرار الأوتوماتيكية بقصص الباحثين عن حياة أفضل.

زاوية صحيفة "الديمقراطية الحرة" بالمتحف (الجزيرة نت)
ماضٍ أوروبي
تأسس هذا المتحف عام 1928، وهو أحد أكبر المتاحف الأميركية الخاصة بالمدن، إذ يمتدّ على مساحة ثمانين ألف قدم مربع تشمل نحو ستمائة معلم من معالم المدينة الثقافية على مدى أكثر من ثلاثمائة عام من تاريخها.

في الطبقة السفلية محاكاة لشوارع ديترويت بالقرن التاسع عشر، حين كانت المدن الأميركية لا تزال تتمتع بطابع أوروبي جلبه المستوطنون الأوائل معهم كما يظهر من خلال محلات الملابس والقبعات والأحذية والعطارة التقليدية، قبل أن تتطعّم بتأثيرات الشعوب الأخرى المحلية كثقافة السكان الأصليين من الهنود الحمر أو الوافدين من أنحاء العالم.

ولعل أبرز ما يلفت نظر المتجوّل في تلك الأسواق العتيقة الزاوية المخصصة لصحيفة "الديمقراطية الحرة" التي كانت من أوائل الصحف الصادرة بالمدينة، ولابد له من أن يصاب بحنين غريب إلى تلك المطابع العتيقة ذات المقابض المزخرفة، ويُعجب بدقة الرجل الدؤوب الذي ما زال يستخدم تقنية صفّ الحروف القديمة في طباعة بعض الملصقات والدعوات الخاصة بالمناسبات.

ولا بد للزائر أيضا من رؤية المدرسة الأولى، والفيديو الذي يذكّر بطرق التعليم التقليدية الشبيهة إلى حد كبير بالتعليم التبشيري الذي لم يصبح موضةً قديمة في بعض بلدان الشرق الأوسط.

السيارة الأولى المصنّعة بمدينة ديترويت
(الجزيرة نت)
قلب المدينة الآلي
ويفرد المتحف مساحة كبيرة للثورة الصناعية التي جعلت المدينة أولى على خريطة صناعة السيارات العالمية. هنا بدأت حكاية المحرّك الآلي رمز الثورة الصناعية الذي غزا العالم بفضل ثلاث شركات عملاقة: فورد، جي إم، كرايسلر.

لكن هذه الشركات لم تكن الوحيدة، بل ثمة أخرى لا تقلّ عنها أهمية كأولدس موبيل ودودغ وغيرها.

ومع حلول العام 1914، بينما العالم يستعّد لخوض حربه الأولى، راهن المصنّعون هنا على "وضع أميركا على عجلات" فأطلقوا ملايين الأصناف من السيارات التي غزّت القارة وغيّرت ثقافة الولايات المتحدة إلى الأبد.

ولم تكن استعمالات هذه المعامل سلمية دائماً، فبعد ذلك بسنوات أي خلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت ديترويت "قلعة الديمقراطية" كما جاء في المتحف، لأن أصحاب الشركات قرروا التوقف عن صناعة السيارات وتحويل معاملهم إلى مصانع للمعدات العسكرية حتى عام 1945.

على هذا النحو، أنتجت ديترويت 92% من السيارات العسكرية و87% من القنابل الملقاة من الطائرات و75% من محرّكات الطائرات الحربية و56%  من المعدّات التي استعملها الجيش الأميركي.

 ليس ذلك فحسب، بل إن عدداً لا بأس به من عمّال المصانع تحوّلوا جنوداً إحتياطيين مما اضطر المعامل إلى توظيف الأفارقة الأميركيين والنساء لسدّ الثغرات. بعض هؤلاء العمّال المؤقّتين حافظوا على وظائفهم بعد الحرب في حين استُبدل آخرون بالعمّال الأصليين.

 مجسم لعروس عربية بمتحف ديترويت التاريخي (الجزيرة نت)
تاريخ الشعوب
الجزء الثالث من المتحف ثقافيّ الطابع فهو يركّز على تاريخ الشعوب المختلفة التي جلبتها الثورة الصناعية إلى جيرة بعضها البعض. من غير المفاجئ إذن أن ترى في قسم ثقافات سكّان ديترويت عروساً عربية محتشمة بفستانها الفضفاض.

وتظهر إلى جانبها عروس أخرى هندية حمراء تتزيّن بالريش وثالثة يونانية مكللة بإكليل مشترك مع زوجها وأخرى ترتدي الكيمونو الصيني التقليدي.

وينسيك هذا القسم من المتحف صرير الآلة وجنون العصر الذي سار على عجلات قبل أن يتعثّر بظلاله الضخمة، هنا أميركا بلاد كل شيء، بلاد الجميع الذين نسوا من كانوا ولاحقوا الحلم الصعب. هنا أميركا مركبة عملاقة لا يثق أحد بسائقها.

المصدر : الجزيرة