حفل إنشادي في أحد الأسواق الإندونيسية (الجزيرة نت)

محمود العدم-جاكرتا

يحظى الغناء العربي -خصوصا القديم منه- بحضور لافت عند الإندونيسيين, ويعتبرون سماع الموشحات والابتهالات والأغاني ذات الطابع الديني مظهرا من مظاهر التدين، حتى وإن رافقها عزف للموسيقى التي لا خلاف على سماعها لدى أغلب الإندونيسيين.

ونظرا للبعد الديني الذي تحظى به اللغة العربية فقد افتقر الموروث الثقافي الإندونيسي لفن الابتهالات والمدائح النبوية، ولم يوجد منها إلا القليل بلغة البهاسا المحلية, في حين احتلت الابتهالات باللغة العربية وبلحنها العربي الشرقي الجزء الأكبر.

وليس غريبا أن تنطلق سماعات المساجد قبيل صلاة المغرب والعشاء بالأغاني ذات الطابع الديني التي غنتها الراحلة أم كلثوم مثل "نهج البردة" و"الرضا والنور" و"القلب يعشق كل جميل"، خصوصا في المناسبات الدينية ولدى عقد النكاح, وتلك التي غناها غيرها من المطربين كأغنية "عليك صلاة الله" و"سلامه" لأسمهان, و"لأجل النبي" للكحلاوي وغيرهم من المطربين.

فن الواينج استخدمت فيه الاغاني العربية
خلفية تاريخية
ويرجع المدرس في جمعية نهضة العلماء الشيخ عمر يادي أصل استخدام الموشحات والقصائد العربية في إندونيسيا إلى زمن دخول الإسلام إليها في عهد الخلفاء الراشدين, ثم بدأ يزدهر وينتشر إبان فترة ظهور الأولياء التسعة وهم مجموعة من علماء الصوفية بدأ ظهورهم في القرن الثالث عشر الميلادي, "وكانوا يستخدمون هذه الأشعار لترقيق القلوب وجذب الناس إلى الإسلام
".

وأضاف يادي في حديثه للجزيرة نت أن الأولياء التسعة استثمروا تعلق الإندونيسيين بفن خيال الظل المشهور في جزيرة جاوا باسم "الواينج" وأدخلوا عليه هذه الموشحات إما باللغة العربية أو بترجمته إلى اللغة المحلية "من أجل تسريب التعاليم الدينية وقيم الإسلام من خلال هذا الفن, حتى أصبحت هذه الموشحات والمدائح فنا ذا قيمة دينية انتشر استخدامه في المساجد".

وأوضح أن أغلب المساجد التي تنشد هذه الابتهالات هي التي تتبع جمعية نهضة العلماء –وهي أكبر جمعية دينية في إندونيسيا ويبلغ عدد أتباعها نحو 45 مليونا- إضافة إلى بعض المدارس الدينية. أما أشهر القصائد القديمة فهي البردة للبوصيري ولست للفردوس أهلا وقصيدة البرزنجي في سيرة المصطفى.

وتابع يادي أنه شاع حديثا استخدام الأغاني العربية ذات الطابع الديني مثل أغاني أم كلثوم, كما تستخدم في المناسبات بعض الأغاني الحديثة جدا والتي يظن المواطنون أن معانيها دينية مثل الأغنية المشهورة "حبيبي يا نور العين" التي يظنون أنها في مدح الرسول الكريم.

الشيخ عمر يادي: استخدام القصائد العربية بإندونيسيا يعود إلى عهد الخلفاء (الجزيرة نت)
تفريج الهم

ونقل عن الداعية المعروف في إندونيسيا رحمت عبد الله أن هذه الابتهالات كثيرا ما كانت تطلق من سماعات المساجد في عهد الرئيس الأسبق سوهارتو من "أجل تفريج الهم والكرب عن المواطنين جراء القمع الذي كان يمارس في عهده".

أما الشيخ أسران خليفة فقد أشار في حديثه للجزيرة نت إلى أن المقاطع القصيرة من هذه الابتهالات عادة ما تكون مفهومة للمواطنين, أما القصائد الطويلة فغالبا لا يفهمها إلا القليل, وهي تستخدم للترنم, وفي كثير من المساجد تنطلق هذه الابتهالات إيذانا بقرب وقت الصلاة.

وكثيرا ما يستخدمها جامعو التبرعات أو المتسولون على عربات هوائية, إذ تنطلق الابتهالات بواسطة جهاز تسجيل وسماعات بدائية الصنع, غير أنها تلفت انتباه الناس إليها وتؤدي غرضها في جمع الأموال. وفي شهر رمضان تبث كثير من الإذاعات المحلية أغاني عربية -أغلبها حديث- خلال برامجها الدينية.

المصدر : الجزيرة