أمجد ناصر

بعد "انقلاب غزة" سألت محمود درويش عن رأيه في ما يجري.. قال بنبرة مكتئبة: إحنا خيبة أمل يا أمجد! نحن خيبة أمل إذن؟ من نحن؟ النخبة السياسية الفلسطينية السائدة التي أضاعت البوصلة وراحت تخبط عشواء في متاهة "لعبة أمم" صغيرة.

اليوم نتذكر محمود لأكثر من سبب.. لا نحتاج في الواقع سبباً لتذكره، فالذكرى قد تعني أيضاً النسيان.. يوم رحيله أو يوم ولادته مجرد ذرائع لاستحضار الغائب الحاضر، لكننا ننصاع لهذه السُّنة التي لا تليق بواحد له هذا الحضور الذي ضاعفه غيابه.

لمحمود وجه سيبقى هو القصيدة، حمل ألقاباً أخرى وظل لقب الشاعر أقرب إليه من حبل الوريد.. قلة من الشعراء تجاوز تأثيرهم الحدود التي يتحرك الشعر داخلها.. محمود من هذه القلة.

لمحمود وجه سيبقى هو القصيدة، حمل ألقاباً أخرى وظل لقب الشاعر أقرب إليه من حبل الوريد.. قلة من الشعراء تجاوز تأثيرهم الحدود التي يتحرك الشعر داخلها.. محمود من هذه القلة
قصيدة تكدح
هناك شعراء فلسطينيون عبروا عن زمن أو مرحلة في حياة الشعب الفلسطيني، نتذكر على هذا الصعيد إبراهيم طوقان، وأبو سلمى، وعبد الرحيم محمود، وهارون هاشم رشيد، وفدوى طوقان، ومعين بسيسو.. لكن لم يقيض لواحد من هؤلاء أن يصبح عنواناً لسردية كبرى.

كثير هذا الحمل على القصيدة، كثير على شاعر مجازاته الأولى قمر وفراشة وزنبق وحبق وقهوة ونبيذ. لا نعرف كيف حصل ذلك، ربما لا يعرف درويش نفسه كيف تحول ذلك الشاب النحيل -بين نحيلين مثله- إلى راوي ملحمة الاقتلاع والبقاء والأمل.

الغريب أن تلك المواصفات تكاد تعيد دور الشاعر العربي القديم في قومه وأهله، لكن محمود درويش لم يكن شاعراً قديماً، لم يكن "وزير إعلام" قومه أو الناطق باسمهم بحسب وصفنا لشعراء مدونتنا الكلاسيكية.

درويش شاعر حديث انهمك في ورشة قصيدة تكدح دائماً لتوسيع حدودها الجمالية، تعمل على الوصل مع القديم من جهة والقطع معه من جهة أخرى. تدرج نفسها -بدون مانفيستو- في قلب سجالات التجديد الشعري.. تستضيف الأنا والآخر على هوّة الحضور والغياب. الميزة الأخيرة هي التي يلحظها التلقي الغربي في قصيدة درويش ويكاد يختصرها في خصلة واحدة من خصالها المتعددة.

يحضر الشاعر الناهض "بعبء الأرض" وعبء القصيدة بيننا هذه الأيام، إنها ذكرى رحيله الثالثة مترافقة مع مسلسل رديء يحمل عنوان آخر كتبه "في حضرة الغياب".. لن أتوقف هنا أمام تسليع السيرة الدرويشية في مسلسل ركيك وبتشخيص أردأ.. تهمني نقطة واحدة هي التي سأحاول التصدي لها: السردية الفلسطينية.

أحسب أن موقع درويش في تكوين السردية الفلسطينية جوهري، فهو صوت المقاوم للمحو، مثلما هو صوت الشعر القادر على مخاطبة وجدان أوسع مما تحسن السياسة مهما كان حسن تدبيرها وحصافتها
السردية الفلسطينية
هناك صوتان فلسطينيان نهضا -كل من موقعه- بقسط وافر من عبء السردية الفلسطينية المتكونة بصعوبة في مواجهة سردية إسرائيلية (يهودية مثيولوجية) طليقة السراح. الصوتان كما نعرف هما: محمود درويش وإدوارد سعيد. الصداقة التي جمعت بين الرجلين الراحلين قامت أغلب الظن على هذا الأساس.

أحسب أن موقع درويش في تكوين السردية الفلسطينية جوهري، فهو صوت المقاوم للمحو، مثلما هو صوت الشعر القادر على مخاطبة وجدان أوسع مما تحسن السياسة مهما كان حسن تدبيرها وحصافتها.

نلاحظ اليوم الفراغ الذي تركه درويش على هذا الصعيد، فليس بين ليلة وضحاها يتم تكوين صوت مسموع لسردية ما مهما كانت الأجواء معدة لاستقباله. الأصوات التي تنهض بعبء السرديات تتكون تدريجاً وببطء شاق.

اقتضى الأمر أكثر من أربعين عاما ليكون درويش صوتاً مسموعاً للسردية الفلسطينية خارج نطاقها الثقافي.. أتحدث هنا عن صوت إنساني عميق، قادر على إيصال خطاب الضحية -لكن المقاوِمة- بذكاء إلى "الآخر"، عن صنع رواية لحياة الضحية ومقاومتها الواقعية والرمزية للاجتثاث والمحو، عن استعادة الأصوات الضائعة في فضاء القوة.

هذا هو الجانب المباشر لعمل السردية الفلسطينية التي لا تتحرك لوحدها في مجال "الآخر"، بل تواجه سردية الجاني والمحتل التي تحظى بشبه إجماع دولي.. تحظى بالدعم المادي والرمزي لبقاء عمل القوة وتغطرسها، وتحظى باعتراف ناجز "بهوية" صنعتها على أنقاض شعب آخر شرد من أرضه وجرد من هويته.

إقامتي في الغرب مكنتني من فهم عمل السرديات أفضل، خصوصاً سرديات الشعوب التي تعمل على صنع هوية لها في مرحلة "ما بعد الاستعمار".

ليس صدفة أن عمل إدوارد سعيد الفكري تركز أيضاً على هذه الجبهة، فقد أصبحت أعماله الفكرية سلاحا مهما لتفكيك البنى الفكرية الواضحة والمخاتلة التي يتكون منها الاستعمار. هناك اليوم مدرسة فكرية ونقدية في الأكاديميات الغربية من تلاميذ إدوارد سعيد تشتغل على دراسات "ما بعد الاستعمار" سواء في أفريقيا أم آسيا.

في مواجهة الطمس
شعر محمود درويش أساسي في الأعمال الفكرية والنقدية التي تواجه الطمس. ليس الفلسطينيون وحدهم هم الذين يشهرونه سلاحاً، بل يمكن لكثيرين في العالم أن يفعلوا، فقد استطاع درويش أن يتجاوز بمنجزه الشعري "محلية" الصراع إلى أفق كوني لا تبلغه إلا الأصوات الكبيرة.

هناك عناصر متعددة لعبت دوراً في جعل محمود درويش صوت السردية الفلسطينية وراوي ملحمة البقاء والمقاومة والأمل،  وشعره المجنح المتعدد المنفتح على الشقاء الإنساني وتراقص الأمل هو -بلا شك- أبرز هذه العناصر
بهذا المعنى تحول شعر درويش الى ما يشبه "هوية" الضحية وصوت الإنسان الضائع في فضاء تحكمه القوة والغطرسة والاستهانة بحيوات وثقافات تقع خارج "المركز". بهذا المعنى يمكن للهندي الأحمر أن يستعيره وأن يتحرك من خلاله، كما يمكن للأفريقي أو الآسيوي التماهي به.

قيض لدرويش أن يلعب هذا الدور.. لم يكن يخطط له.. أنا أعرف أيضاً أنه لم يكن يرغب فيه، فذلك عبء كبير على شخص واحد، خصوصاً على شاعر لا يريد أن يحشر في خانة مهما كانت هذه الخانة نبيلة وضرورية. التفلت من الخانات هو -على ما نعلم- طبع الشاعر.

القصيدة تدافع دائما عن مجالها التعبيري وتحاول تحصينه في مواجهة "إكراهات" الزج والتوظيف.. فعلت قصيدة درويش شيئا من هذا، ولكنها وجدت نفسها مطالبة أيضاً بعبء إضافي، كان عليها أن تنهض بهذا العبء من دون أن تتحول إلى شعار وكليشيه.

هناك عناصر متعددة لا مجال لاستعراضها هنا، لعبت دوراً في جعل محمود درويش صوت السردية الفلسطينية وراوي ملحمة البقاء والمقاومة والأمل، لكن شعره المجنح المتعدد المنفتح على الشقاء الإنساني وتراقص الأمل، هو بلا شك أبرز هذه العناصر. الشعر المتحقق في ذاته، أي المتحقق على أرض فنه وصنيعه وداخل شروطهما.

 ليس فيلم "هوية الروح" النرويجي مثلا، الذي يفترض أن يتحدث عن قصيدة لهنريك إبسن، آخر الأدلة على خسارة محمود درويش، فالفيلم الذي كان مخططاً له أن يكون مكرساً بالكامل لشاعر آخر صار فيلماً عن درويش وفلسطين والسردية الفلسطينية من خلال قصيدته "جندي يحلم بالزنابق البيضاء".. ليس الانقسام الفلسطيني غير المسبوق والتطلع إلى صوت يجمعُ هو آخر الأدلة.

ستكون هناك أدلة كثيرة على فقدان تلك البوصلة الحساسة، ذلك الصوت المقاوم بهشاشة خطاب الضحية وصلابته في آن، فلم ينته العدو من عدوانه.. لم تنتصر الضحية على جلادها حتى الآن.. والضوء الذي كان يراه -في الحلم- رجلاً مات مسموماً، لم يلح في نهاية النفق الطويل بعد. 

المصدر : الجزيرة