صور المبدعين على جدران صالون مقهى ريش الثقافي (الجزيرة نت)

فاتنة الغرة-القاهرة

في قلب القاهرة وفي وسط البلد الذي يضم أكبر تجمع للمقاهي والنوادي الثقافية والأدبية يواصل "مقهى ريش" صموده على مدار أكثر من قرن من الزمان محافظا على منزلته بين أهم المقاهي العربية وأشهرها، حيث يختزن تاريخا من الثقافة والسياسة والفن والنضال وكونه ملتقى لشخصيات أبدعت وصنعت التاريخ.

مقهى ريش الذي يبدو ناعما كاسمه الذي نقش بشكل آخر على بابه المرمم، والذي يعتبر ملاذًا آمنًا أحيانًا وغير آمن أحيانًا أخرى، تمتلئ جدرانه الداخلية بصور لبعض من ارتادوه من المبدعين والثوار، وتحتفظ ذاكرته بالكثير من الأحداث التي تقاطعت فيها الثقافة والسياسة والفن، وبين جنباته كتبت أهم الأسماء المصرية والعربية في عالم الفن والأدب وتغنت بإبداعاتها.

مالك المقهى ميشيل عبد الملك ميخائيل
شخصيات وأحداث
افتتح مقهى ريش عام 1908 على يد رجل أعمال نمساوي حيث كان في البداية عبارة عن تياترو ريش، وهو المكان الذي غنت فيه أم كلثوم حين أتت من بلدها، وهو المكان الذي كان يطبع ثوار ثورة 1919 منشوراتهم السرية في قبوه السري، وقد توالى على ملكية المكان أكثر من رجل أعمال من جنسيات متعددة قبل أن يملكها مصري في منتصف القرن الماضي.

وفي حديثه للجزيرة نت يقول مالك المقهى السيد ميشيل عبد الملك ميخائيل إن هذا المكان كان ملتقى للأفندية والباشوات أيام الحكم الملكي، وإن ضباط ثورة 1952 كانوا يلتقون فيه ويعقدون اجتماعاتهم هناك وعلى رأسهم جمال عبد الناصر وأنور السادات وصلاح سالم قبل أن ينقلوا اجتماعاتهم إلى مقر نادي محمد علي الذي يبعد عن ريش مسافة 250 مترا.

ويضيف أن المقهى شهد منذ الستينيات ثورة المثقفين بداية على ما حل بالوطن العربي كله جراء هزيمة 1967، ولذلك قاموا في المقهى بإعداد مجلة تخلي مسؤوليتهم أمام الشعب والتاريخ من الهزيمة وتعلن فيها أن الهزيمة هزيمة جيش وحكومة، وهذا يؤكد دور المقهى في الحياة السياسية في مصر.

وتشهد جدران المقهى وفقا لميخائيل بنوعية المبدعين والمثقفين الذين كانوا من رواده المخلصين أمثال نجيب محفوظ وأحمد فؤاد نجم وأمل دنقل ونجيب سرور وسيد مكاوي وصلاح جاهين.

ويؤكد أنه بعد الثورة استعاد المقهى مكانته لدى المثقفين، حيث أقيمت فيه مجموعة من الندوات الفكرية والسياسية الثقافية بعد ثورة 25 يناير، لكنه يرى أنه لا يوجد اليوم كثير من المثقفين الحقيقيين وإنما يوجد أدعياء ثقافة.

عم فلفل النادل في مقهى ريش
شاهد على العصر
ولا يمكن لزائر المقهى أن يدخله بدون ملاحظة السيد محمد حسين صادق أو "عم فلفل" كما تعارف رواد المقهى على مناداته، وعم فلفل هو مصري بسيط قدم من النوبة في النصف الأول من القرن الماضي حينما كان يبلغ من العمر 14 عاما ولا يمكن تخيل "ريش" بدون وجوده.

ويتذكر عم فلفل كيف كان الحائز على نوبل للآداب الروائي نجيب محفوظ يأتي كل يوم في السابعة مشيًا إلى ريش متأبطًا الجرائد اليومية، ويأخذ القهوة الخاصة به مع قرص الأسبرين ويقابل الناس للحديث في الأدب والسياسة، كما كان يقيم ندوته الأسبوعية كل يوم جمعة حتى تم إيقاف هذا النشاط خوفًا من البوليس وقتها.

ويضيف أن من ذكرياته التي لا ينساها يوم توقيع اتفاقية كامب ديفد التي ثار عليها المثقفون المصريون، وقاموا بتنظيم مظاهرة خرجت من المقهى يتزعمها مجموعة من الكتّاب والصحفيين على رأسهم يوسف إدريس وإبراهيم منصور وغيرهم.

ويرى هذا الرجل الشاهد على عصر من الثقافة والجمال أن الزمن قد تغير كثيرًا حيث كان زبائن المقهى أكثر هدوءا ورقيًّا وكان الناس أكثر وعيًا وثقافة من الآن.

وبالرغم من معاصرته للكثير من الأحداث التي غيرت وجه مصر وعلى رأسها ثورة 1952، وثورة 25 يناير مؤخرا فإنه يرى أن الناس يجب أن تتحلى بالصبر خاصة وهو يراهم غير واثقين مما سيحدث في الأيام القادمة.

الشاعر ياسر الزيات

مهد الليبرالية المصرية
وبالرغم من إغلاق المقهى سنوات كثيرة فإنه عاد إلى الحياة مجددا بقوة. يقول الشاعر والصحفي المصري ياسر الزيات للجزيرة نت "يمثل مقهى ريش بالنسبة لي مائة عام من الثقافة المصرية بكل أجيالها وتفاعلاتها".

وأضاف أننا "يمكن أن نعتبر أن الليبرالية المصرية قد ولدت في مقهى ريش، حيث طبعت فيه منشورات ثورة 1919 وكان مقرًّا للاجتماعات السرية للعديد من الثوار".

وأوضح صاحب "دمي ملوث بالحب" أن "ثورة 1919 هي التي أفرزت تيارا ليبراليا قويا في مصر استمر حتى نهاية السبعينات"، هذا على المستوى السياسي.

أما على المستوى الثقافي والأدبي فيقول الزيات "يكفي أن أجلس في وسط أرواح كل من أحب وفي رعاية صورهم، أمل دنقل وعبد الصبور ويحيى الطاهر وطه حسين وغيرهم، فهذه الصور الموجودة على جدران المقهى تعطيني أملاً في أن الثقافة المصرية هي نهر مستمر في التدفق إلى الأبد من جيل إلى جيل".

المصدر : الجزيرة