يوسف ضمرة

 

لم نكن نعرف أن للغياب هذا الحضور المُهلك أحيانا، والبهي أحيانا أخرى، إلا بعد أن علّمنا محمود درويش ذلك. وحين استعراض أي جزء من رحلة درويش الحياتية أو الفنية، نكتشف الآن أكثر من قبل أن تلك الرحلة كانت قائمة على الحضور في غياب كليّ.

 

إن درويش حاضر في البروة الغائبة، وكانت البروة حاضرة في قصيدة غائبة. كانت الجندية حاضرة في غياب درويش، وكان درويش حاضرا في غيابها. كان أكثر التلاميذ حضورا في الرحلة المدرسية التي تأخر عنها، لأنه الوحيد الذي غاب عنها ولم يمت.


يضع درويش نفسه مكان أحد أبطال الإغريق، أولئك الذين لم يكن حضورهم إلا غيابا مؤجلا ذا دوي تراجيدي عال. هكذا كان آخيل وأغاممنون وهكتور. كانوا يملؤون الدنيا حضورا، والعرافون يعلمون مواقيت غيابهم. وكانوا يغيبون فيزدادون حضورا.

إذا كان على هذه الأرض ما يستحق الحياة، فلماذا لم يقل للمجندة الإسرائيلية: ورفضتُ مثلك أن أموت؟ بدلا من قوله: ونسيت مثلك أن أموت؟
بطل تراجيدي
هذا هو محمود درويش.. شاعر وبطل تراجيدي من رحم يشبه رحم أثينا أو أفروديت أو حتى هير فلا مكان هنا للجميل والقبيح، ولا مجال للتفضيل حين تكون الأم واقفة على خيط ناي:

على هذه الأرض ما يستحق الحياة
نهايات أيلول
كتابات آسخيلوس
سيدة تدخل الأربعين بكامل مشمشها
أمهات يقفن على خيط ناي

أهذه الأرض تستحق الحياة حقا؟ أم إن الشاعر يفتش عن سبب للمصير التراجيدي الذي يعرفه أكثر من سواه، لأن العراف كريون همس به في أذنه قبل أمه وأبيه؟

وإذا كان على هذه الأرض ما يستحق الحياة، فلماذا لم يقل للمجندة الإسرائيلية: ورفضتُ مثلك أن أموت؟ بدلا من قوله: ونسيت مثلك أن أموت؟
كان درويش، نازلا من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل البلاد!!

يا لك من مراوغ! لا لم تكن كذلك، فالتفاصيل حاضرة في غيابها. كامنة فيك. ولست في حاجة كي تترك نحلة الجرح القديم، إلا لتذهب نحو نحلة الجرح اللاحق. ستظل الجراح تطن، السابق واللاحق. الطري والناشف. وسوف تظل نازلا كي تصعد الجلجلة. وعلى رأسك إكليل المسيح. فهم قتلوك وصلبوك ولم يشبّهْ لهم بك. قتلوك في الانفجار الذي لم يصبك لأنك أسرعت في المشي، وبطلقة القناص لأنك أبطأت.

 

كان عليك أن تموت، لأن الله لا يطيل في أعمار المارقين، والعابرين للعادي والمألوف. أنت لم تكن حجرا صقلته المياه فأصبح وجهًا. لا لم تكن. كنت وجها صقلته الجسارة فأصبح رمحا من نحاس طروادي.لا مسادّة وقتي/ ولا طروادة بيتي.. بلى.. طروادة بيتك لأنهم هم الذين جاؤوا إليك، ولم تذهب إليهم. أم مسّادة فهي عقدة المهزوم الذي ليس أنت. الخائف الذي لم تكنه.

 

وأنت لم تكن قصبا ثقبته المياه فأصبح نايا!! وأي ريح في استطاعتها أن تجعل من قصب القديسين نايا، لو لم تكن نايا تبدى في قصبة؟ هو الناي الذي على خيطه تقف الأمهات، لأنه لا ناي قادر على مجاراة بحة صوتك أيها العكس.

هذه آخر الأرض لم يبق إلا اللقاء!!! يا صديق الفقراء والمترفين، ويا أمير العاشقات والشباب الطالع من أزقة المخيمات. يكفيك زهوا أنك لم تتركنا يتامى.
بيروت والقلب

وإلا، فمن هو القمر الذي على بيروت غيرك؟ ودم من هو الدم الذي على بعلبك؟ على بعلبك وحدها؟ يا لك من مخاتل! والجليل والجنوب والأردن والنيل والفولغا؟ أي دم لوّن تلك المياه التي توقفت ورفعت رؤوسها باحثة عن منشدها؟

بيروت تفاحة
والقلب لا يضحك
سنرقّص الساحة
ونزوج الليلك

ها هي بيروت تتقاذفها الأسنان بعدك. وها هو القلب فاغرا فمه دهشة وانتظارا لعريس جميل وشجاع: أنا زين الشباب وفارس الفرسان. و"هاي" هي الساحة تصطف واقفة لتحييك في غيابك. وسترقص. يا إلهي كم سوف ترقص، وهي "تتعربش" أوراق الليلك في جنوب الجنوب على مقربة من ذلك الطفل الذي لم يلحق بباص الرحلة المدرسية.

 

كانت رمية نرد شعّت. وكنت كلك رمية نرد أيها ال../ من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ لا تعرف بعد؟ هل أنت مثلنا أو أقل قليلا؟ وهل كان هكتور مثل أي طروادي آخر؟ ألم تخبرك "أليكساندرا" ؟ ألم تنبهك؟ فلماذا خرجت؟ لأن الأنبياء لا يملكون حق التصرف بمصائرهم. أرأيت لو استيقظت في موعدك الصباحي؟ أرأيت لو تأخرت في صنع فنجان قهوتك قليلا في بيروت؟ أرأيت لو أبطأت قرب العبوة المعدة للضحك؟

 

ولكنك لا تتحكم في شيء. تسرع فتنجو، وتبطئ فتنجو. تمشي إلى غدك ولا تعرفه. وتذهب نحو ماضيك ولا تعرف أين خبأته أمك ذات مجزرة. قلت لها: نلتقي بعد قليل/ بعد عام/ بعد عامين وجيل. لأن أوديسيوس الذي أتيح له الخلود في جزيرة العذراء، رفضه واتجه إلى بنيلوب العجوز. كان خلودا تافها لا يليق ببطل الحصان. كان سيُنسى بعد عام/ بعد عامين وجيل. وكنت ستُنسى لو اتكأت على عصا أيا كان أبنوسها.

 

هل اشتقت إلينا؟ أرجوك لا تفعل. دعنا في صغائرنا التي لم تكن تشاركنا فيها. دع هذا الجيل كله ينتحب كما يحلو له، وانظر من عليائك كم أنت بهي ومشع، كرمية نردك. القصيدة رمية نرد، تشع أو لا تشع. وأنت لا ترمي النرد، ولكن آلهة الكنعانيين هي التي ترميه، فيشع قصائد معتقات من كروم الجليل والخليل.

لن أقول ما قاله حجازي في عبد الناصر: هذه آخر الأرض لم يبق إلا الفراق/ سأسوي هنالك قبرا وأجعل شاهده مزقة من لوائك ثم أقول سلاما.

ولكني أقول: هذه آخر الأرض لم يبق إلا اللقاء!!! يا صديق الفقراء والمترفين، ويا أمير العاشقات والشباب الطالع من أزقة المخيمات. يكفيك زهوا أنك لم تتركنا يتامى.

المصدر : الجزيرة